الاشتراكية واحدة*الشهيد عمر بنجلون قراءة للرفيقة حكيمة الشاوي
يقول الشهيد عمر بنجلون :
" ان الاتحاد لا يزعم الإنسان بايديولوجيا جديدة ، أو باشتراكية خاصة - قد يطلق عليها نعتا من النعوت - إن الاشتراكية واحدة كمنهجية ، وكهدف .. "
بين الشهيد المهدي بنبركة والشهيد عمر بنجلون نضال مستمر لحركتين ثوريين : حركة التحرير الشعبية ، والحركة الاتحادية الاصيلة ..
والقاتل واحد والأقنعة متعددة .. والمستهدف هو فكرهما العلمي المستنير ، ومشروعهما التحرري التقدمي الذي لا يقبل أنصاف الحلول ..
(( فلا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذي لعبه - في التحول المفاجئ للسياسة الفرنسية - اقتران الحركتين التحريريتين الجزائرية والمغربية ، وما كان يترتب عليه من نتائج ، وايضا ليس من قبيل الصدفة انه في الوقت الذي بدأ فيه المناضلون - وإن كانوا قد بدأوا فقط يدركون من وراء الرمز ، المعنى العميق للنضال الوطني - في هذا الوقت بالذات فهم المستعمرون المعنى العاطفي لإرجاع الملك من منفاه .
ونحن اليوم اذا حللنا هذه المطابقات بعد مرور الزمن عليها ، ندرك أن السياسة الاستعمارية ، بلغت منتهى من الذكاء ، كنا ابعد ما نكون عن تصوره .
نعم ، لقد بدأت تنضح المعالم المكيافيلية لهذه السياسة عندما شرع الاستعمار في تطبيقها على مدى أوسع، في مجموع القارة الأفريقية . غير أن منذ نهاية سنة 1956 ، أخذت مرارة الخيبة تظهر في نفوس عدد من المناضلين ، وخاصة عند قادة حركة المقاومة وجيش التحرير ، وكان ذلك بمثابة الشعور الحدسي ان سير الثورة قد توقف .
فهل نحن أخذنا في حسابنا هذا الشعور بالخيبة ، واستنتجنا منه نتائج إيجابية، كما كان يجب علينا ؟ وهل شرحنا مغزى حل "ايكس ليبان" بعد ان ظهرت سياسة الخصم جليا ، واضحة للعيان ، عندما أعلن الجلاوي تراجعه المسرحي ، وتوبته الموعز بها إليه . ؟
كلا ، لم يقع شيء من ذلك ، بل أخذنا على حسابنا تلك الاتفاقية بما لها ، وما عليها ، وتقدمنا بها كعربون على اندحار الاستعمار الفرنسي ، ثم اننا صورنا انحلال ( مجلس العرش )
الذي نصبه الاستعمار كهزيمة أخرى للسلطة الاستعمارية ، بينما لم يكن في الواقع إلا فخا مدروسا للتظاهر بالتنازل .
ودخلنا في اللعبة الاستعمارية باستبدالنا الهدف الأساسي معركتنا . وقد بدأ يتضح لمناضلينا هدف آخر ، قد يظهر لأول وهلة قريب المنال ، بينما هو في المدى البعيد بمثابة السراب .
اننا في الحقيقة لم ندرك معنى المنعرج الذي وصلت إليه حركتنا ، ولم نتخذ له العدة في وقته ، لأسباب يمكن مناقشة صلاحيتها ، ولكن نتيجتها الملموسة هي اننا عللنا أنفسنا بأن تلك التسوية السياسية إنما كانت توقفا مرحليا في مسيرتنا الثورية ، وكان مفروضا ضمنيا ان يستغل هذا التوقف كفترة استجمام للحركة الوطنية ، تستغلها لاعادة تنظيم نفسها ، ولمعالجة التضخم الذي أصابها ، واستيعاب القطاعات الثورية الجديدة في صفوفها ، غير أن هذه المحاولات، وان كانت قد أنجزت بنية حسنة ، إلا أنها لم تكن موضوعة في إطار استراتيجية شاملة، جعلتها تفضي إلى نتائج عكسية ، بل إلى تعفن أجهزة الحركة التحريرية .
ان هذا التحليل النقذي لتسوية "ايكس ليبان" الذي لم نقم به سنة 1956 ، علينا ان نقوم به اليوم حتى نستخلص عنه في سياستنا الداخلية ، موقفا واضحا ومحددا بالنسبة للتسويات او الحلول الوسطى التي قد نضطر إلى قبولها في المستقبل .
ان مثل هذه الحلول يجب ان تقدم بصفة موضوعية ، وبتقييم حقيقي . لا ان ندافع عنها كانتصارات حاسمة ، وبذلك نمنعها من خلق ضباب حول وضوح الوعي الثوري للمناضلين .
ليس من المحرم على حركة ثورية ، ان تمر في حلول مرحلية ، لأن ذلك متوقف على توازن القوى ، وعلى تحديد الأهداف القريبة منها والبعيدة ، والمهم هو ان يتم كل شيء ، وبتحليل شامل، يوضح الأوضاع للمناضلين .
علينا الا نقع مرة أخرى في خطأ " ايكس ليبان" ، والا نتولى تبرير التسويات كأنها انتصارات ، تخدم في الواقع أغراضا انتهازية . )) انتهى
يقول شهيد الطبقة العاملة عمر بنجلون :
" التضليل قمع : لأن القمع ليس فقط السجن والتعذيب ، وحينما يكون هذا التضليل موجها للعمال فهو موضوعيا قمع ، وهذا هو الواقع الذي يعيشه العمال ... "
صديقاتي واصدقائي ، رفاقي ورفيقاتي ، بعد غيابي الاضطراري .. اعود وانا في شوق الى تواصلكم وتفاعلكم الفكري والوجداني ..لكي أتابع معكم الجزء الاخير من العرض الذي القاه الشهيد عمر في ندوة الشبيبة الاتحادية سنة 1975 ، تحت عنوان : الطبقة العاملة طليعة الجماهير .
لقد تناول الشهيد عمر بنجلون في النقطة الثالثة من العرض :
3 / التغيرات الكيفية التي وقعت في صفوف الطبقة العاملة
إذ يقول فيها :
(( إن العمال سنة 1956 كانوا مجموعة من الجماهير المنحدرة من البادية . أما الآن فالواردون من البادية يشكلون نصف مليون من العمال المهاجرين ، أضف إلى هذا عنصر الشباب من جهة وعنصر المتعلمين من جهة ثانية .
ففي المعادن مثلا هناك 26 % من عمال المعادن يتجاوز مستواهم التعليمي الشهادة الابتدائية ، و37 % من هؤلاء العمال يقل عمرهم عن 25 سنة ، وهناك كذلك "المغربة" اي مغربة الأطر الصغرى والمتوسطة والتي دفعت الطبقة العاملة إلى الأمام . فهذا التغير الكيفي هو السبب الأساسي لعزلة الجهاز . لأن الديماغوجية التي ينهجها الجهاز النقابي لا تنفع مع هذه الفئات ، الا ان المؤسف هو أن فعل هؤلاء هو الابتعاد عن العمل النقابي ، عوض العمل الجاد والمسؤول على تغييره وتطويره .
والخلاصة هو أن عنصر الجمود سيتركنا ندور في حلقة مفرغة من النقاش ، وهي استبدال وسيط بين العمال من جهة والحكم و"الباطرونات" من جهة أخرى ، بوسيط آخر باسم تأسيس نقابة . فعوض أن نبقى في هذه الحلقة والمنبثقة عن عنصر التجميد ، يجب أن نبرز عناصر التغيير ، وان نستنتج منها الحلول الضرورية .
ومرة أخرى أؤكد أن الانحراف ليس مسألة ذاتية ، وإنما نتيجة لوضعية خاصة ، وان الانحراف ليس وليد اليوم ، وإنما جاء من البداية وبأساليب مماثلة لأساليب الحاكمين ، وبتطور موازي لتطورهم الناتج عن ارتباط المصالح ووضعية كل منهما. هذا التطور والتوازي أدى إلى حالة الفراغ التي يعيشها الحاكمون بالنسبة للحركة الوطنية.
لكن هناك عناصر التغيير المتصلة بالسن والمستوى الثقافي لجزء لا بأس به من الطبقة العاملة والمركز الاستراتيجي الذي تحتله تلك الفئات " اي الأطر الصغرى والمتوسطة" في الإنتاج ، وذلك بعقلية أخرى ولا يتم هذا إلا بالتكوين السياسي بجانب التكوين النقابي للطبقة العاملة .
من هنا إذن تبرز الأهمية التي تعلق على الشبيبة وعلى نضاليتها داخل الطبقة العاملة ، أي على المستوى الايديولوجي والسياسي والنقابي .
ولا أريد أن اختم هذا العرض دون أن ألح مرة أخرى بأنه يتعين على جميع الاتحاديين أن يتجنبوا الطرح الخاطىء للمشكل ، الطرح الذي يشجع عليه المسؤولون عن الجمود أنفسهم ، هذا الطرح الذي يحصر المشكل في خلق نقابة جديدة ، أو الجمود .
ان طرح المشكل على هذا النحو يغفل أسباب المشكل وعلاقته بالاطار لنضال التقدميين ، كما يغفل التطور الكيفي الذي وقع في صفوف الطبقة .
لماذا تقوم الطبقة العاملة بالدور الطلائعي ؟
لأن ظروفها تسمح لها بالتنظيم أكثر من الفئات الأخرى وكلما تطورت "الرأسمالية " .
والرأسمالية تتطور مع الصناعة ومركزة "الراسمال" كلما أصبحت شروط وظروف التنظيم العمالي تتضاعف .
فالطبقة العاملة إذن لها الدور الطلائعي والتاريخي لتغيير النظام الراسمالي إلى النظام الاشتراكي ، ولها كذلك نفس الدور في البناء الاشتراكي ، لماذا ؟ لأن الصناعة هي المستقبل ، لأن الإنتاجية تكون في الصناعة أكثر من باقي القطاعات الأخرى.
إلا أن البعض حاول أن ينازع في هذا التحليل بدعوى أن الطبقة العاملة في البلدان المتخلفة لها مدخول قار ، أكثر من الفلاحين وجمهور الشعب .
واستدل البعض بالدور الطلائعي للفلاحين في حرب التحرير الجزائرية والصينية وكوبا ، ومقارنته بالدور الذي لعبه العمال في المدن ، واستنتج من ذلك أن العمال لم يكونوا في الطليعة ، وحاولوا أن يعطوا تفسيرا اقتصاديا بدعوى أن العمال لهم مدخول قار بينما مدخول الفلاح بسيط زيادة على تغيره تبعا لتقلب أحوال الطقس .
هذا التحليل يبدو له صحيحا ظاهريا إلا أنه تحليل سطحي ، تحليل سيكولوجي غير علمي لأنه يعزل الحقائق عن إطارها. فإذا رجعنا إلى الأمثلة التي انطلقوا منها وهي حرب التحرير الشعبية في الجزائر والصين وكوبا نرى بأن هذه الحروب لم يقم بها الفلاحون تلقائيا وإنما جاءت نتيجة النضال السياسي الطويل الذي خاضته الطبقة العاملة في المدن . وهم الذين كونوا أطر الطبقة الفلاحية وطليعتها.
وهناك نقطة أساسية وهي أن مجتمعنا ليس هو المجتمع الغربي لا في القرن 19 ولا القرن 20 ، فالطبقة العاملة لا تمثل الأغلبية الساحقة من الشعب ، والصناعة ليست العنصر الأساسي في القاعدة المادية وهذه هي ميزة ما يسمى "بالتخلف"
فالسؤال المطروح اذن ، هل ستقوم الطبقة العاملة بالدور الطلائعي والتاريخي نظرا لهذه الفروق ؟
اقول ان هذه الفروق لا تؤثر شيئا على هذا الدور بل بالعكس فهي تزيد من حدته أكثر ، لماذا ؟ لأنه إذا لم تكن الصناعة تستغل الأغلبية من الشعب فإن القطاع العصري هو الذي يهم الراسمال الأجنبي الامبريالي ، وهو الذي يهمه لانه هو القطاع الذي تحتله الطبقة العاملة .
فما دمنا نؤمن بأن التحرير والاشتراكية شيء واحد ، فالطبقة العاملة هي التي تحتل المركز الاستراتيجي ، كما أنه في مرحلة الانتقال أو البناء الاشتراكي نعرف أن التصنيع هو التحرير وهو أساس بناء الاشتراكية والذي له الدور الطلائعي أيضا في هذا البناء هي الطبقة العاملة . )) _ عمر بنجلون _
انتهى العرض .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق