إلى المناضل الانسان محمد بنراضي مـَازِلـْتَ حـَيـٌا-التهامي ياسين
إلى المناضل الانسان محمد بنراضي مـَازِلـْتَ حـَيـٌا
أيها المقاوم، الذي يحمل أحزان وطنه في قلبه، لم تمت، ولن تموت... لن نصدق موتك، ولو رأى الناس جميعا نعشك يحمله رفاقك وذويك وأهلك، وابنك البار يضع يده على جبينك، في اتجاه المسجد المحاذي لمنزلك المتواضع بالفقيه بن صالح، أنت مازلت حيا، وستبقى حيا كذلك، كأيقونة متوهجة خالدة. فقط نلتمس منك أن لا تبخل علينا بابتسامتك الوديعة، الجميلة، الساخرة من عبث الأقدار، ولعبة الزمن... أعرنا على الدوام بعضا من تفاؤلك الكبير العجيب... وشيئا من حبك ووفائك لهذا الوطن، أحك لنا قليلا وبطريقتك السردية كل العجائب والطرائف حين كنت تنزل "ضيفا" على تلك الأماكن المظلمة الرطبة الآسنة... امنحنا بعضا من صمودك، وأنفتك، وكبريائك ومروءتك، ووفائك.... وأيضا من التزامك الفكري والسياسي.
في يوم من الأيام جئتنا من عمق الراشيدية، من واحات النخيل، تحمل أوجاعا في الرأس والقلب. تحمل أحلاما جميلة ككل شرفاء هذا الوطن، جميلة لكل الناس، كنت – ومازلت – ساعتها شهما، أبيا، صامدا، صلبا، جريئا صادقا تنشر الحب، وتزرع الأمل في النفوس اليائسة، في فجر كل يوم. منذ ذلك الزمن أخذت مكانا كبيرا في قلوب كل الناس، كل من عرفك وخبرك. رجالا ونساء ومن لا يعرفك؟! لأنك لم تخفض جناحك لليل، ولم تفقد بوصلة النور والضياء. لقد خيل إلينا جميعا فجر يوم الجمعة 18/ 05/ 2012 أنك مت، هي منامة فقط، صليت لله تعالى كعادتك حمدا له، وابتسمت لرفيقة دربك، المرأة الصبورة هكذا حكت لنا هذا الحلم، حكتها لنا وقد تقاسمت معك جراحات سفرك الطويل، ولازمتك كظلك، تقاسمت معك عذابات وآهات رحلتك المديدة بالمناصفة.
كانت، ومازالت، مرفأ جميلا لشراعك، وواحة وافرة الظلال كنت تقصدها كلما اشتد بك الحر، لتستظل بحنانها، هي أيضا تعلم يقينا أنك مازلت حيا، تضع الآن كل يوم يدها – على قبرك – عفوا على جبينك، لتتأكد من سلامتك، فقط خيل لنا جميعا، وتوهمنا أنك مت...
امنحنا – ولو للفرصة الأخيرة – ابتسامتك الجميلة الأصيلة أصالة موطنك، العميقة والصامدة... كدهشة الطفولة كالمنفى، كالراشيدية، كالتاريخ كالزمن...
نعلم أنك لم تستسلم قط في حياتك، فكيف يمكن للقدر أن يخطفك منا؟! ونعلم أيضا أنك لم تفكر يوما أن تكون غريبا أو مستلبا في وطنك، فأحببته إلى درجة الجنون... ولم تساوم في حبة من ترابه وخيراته... في أواخر السبعينات حين كنا نزورك، في مناطق الظل، والظلام، نجدك شامخا، مبتسما يصرح رفاقك أنك تخفف عنهم آلامهم، وعذاب وحشة المكان وغدر الزمان... تصنع لهم الطرائف لتقيهم من الموت البطيء، زرناك مرة في "الدار الحمراء" التي تهدمت، وفي "سجن لعلو" سابقا ... ومرة ... ومرة ... مرات عديدة تزورك عائلتك الصغيرة ورفاقك وفي كل مرة تقول للجميع: "إنها فقط استراحة محارب". نحمل معنا بعضا من الملبس والمأكل، وكتبا ومجلات كما تعشقها، نجدك باستمرار متفائلا، بشوشا، صامدا، فتطعمنا أنت ونحن في الخارج أكثر حزنا وكمدا... تطعمنا وأنت المجرد من حريتك بنسمات رقيقة من النور والأمل والحرية. تملآ قلوبنا دفئا وحبا وشوقا وأملا في غد أفضل. أي سر فيك أيها الإنسان؟! شرس أنت في لحظات ووديع حنون، تهدم اليأس بكل سهولة بكف يدك... وتعلم الناس أن الشمس تنسحب شاحبة مهزومة كل غروب، لكنها تشرق في كل فجر متوهجة وهاجة، كما لم تكن أبدا.
لن نصدق موتك، هي خدعة الحواس فقط، وخدعة الزمن أيضا. اسمع نداء ابنك واصف الذي يقرؤك السلام، فمازال على عادته مستعد حين تناديه أن يأتيك من منطقة بوتفردة ليحملك إلى الرباط أو البيضاء للعلاج . مستعد أيضا أن يقرأ على مسامعك كل النصوص والمقالات المنشورة على المجالات والجرائد... فقد وهن بصرك، لكن بصيرتك كانت أقوى. ومستعد لتلبية كل طلباتك كما كان يفعل...
النفس الشريفة تخلد أبد الدهر، ننتظرك لأنك عدت من الموت مرارا لتحيا، هكذا تعودنا، وتغني أغنية الوفاء، تحمل جرحك الغائر ولا تساوم، وتقاوم، وتقاوم... مازلت حيا.
بني ملال في: 18/ 05/ 2012
التهامي ياسين
هوامش:
- لا يمكن لنص كهذا أن يعكس حياة هذا الرجل النضالية فهي أكثر شساعة وعمقا لأن اعتقالاته متعددة.
- تحية إجلال وتقدير لرجال ونساء الجهة ومن كل مناطق المغرب والسياسيين واليساريين والاشتراكيين والنقابيين والمناضلين والحقوقيين والجمعويين والجامعيين وكل المهنيين وشرائح المجتمع المختلفة... الذين واسوا رفاق هذا الرجل وذويه وعائلته إما بالحضور أو الاتصال بمختلف أشكاله...
حتى لا ننسى .. الذكرى السابعة لرحيل المقاوم الوطني والمناضل الطليعي الفذ الفقيد محمد بنراضي
تحل هذه الأيام الذكرى السابعة لرحيل الفقيد محمد بنراضي الذي وسم الحركة النضالية المغربية بالبناء والعطاء على مختلف واجهات الصراع مع الحكم وحلفائه سياسيا و اجتماعيا و حقوقيا و ايديولوجيا فقد انتسب الفقيد ومنذ شبابه لصفوف المقاومة مناهضا للاستعمار والاحتلال وبعد الاسنقلال الشكلي عمل في صفوف الحركة اليسارية الاتحادية وتدرج في المسؤوليات الحزبية محليا واقليميا و وطنيا حيث انتخب إبان المؤتمر الوطني الرابع لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي بالكتابة الوطنية؛ هذه الدينامية في العطاء و البناء لصالح الشعب المغربي عرضت رفيقنا لمختلف أشكال التضييق والحصار والمحاكمات الصورية و سنوات من الاعتقال التعسفي
لقد كان الفقيد من المناضلين الأفذاذ، قبل الاستقلال وبعده، الذين ساهموا في بناء الحركة الوطنية وفي مواجهة الاستبداد والاستغلال والظلم، وفي مناهضة الانحراف اليميني داخل الحزب حركة 8 ماي المجيدة سنة 1983 والتي كانت مقدمة ليحمل الحزب اسم حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الذي يعتبر استمرارا لحركة التحرير الشعبية وللحركة الاتحادية الأصيلة.
لقد كان المناضل محمد براضي مثالا للسلوك المثالي وللصمود والشجاعة والصراحة و المواجهة والتضحية ونكران الذات، وظل رغم المحن التي تعرض لها في عهدي الاستعمار والاستقلال، من اعتقالات وتعذيب ومحاكمات سياسية وطرد من العمل ثابتا في موقفه، فاعلا في تنظيمات الحزب وتحركاته الجماهيرية..




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق