جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

قناة MTV: تحريض داخلي وتبنّي لخطاب العدو د. طنوس شلهوب

 قناة MTV: تحريض داخلي وتبنّي لخطاب العدو

د. طنوس شلهوب
لم يعد ممكنًا التعامل مع أداء قناة إم تي في اللبنانية بوصفه انحيازًا مهنيًا أو خيارًا تحريريًا عابرًا. فنحن أمام خطاب إعلامي متكامل يؤدي دورًا مباشرًا في معركة الوعي، ويشتغل بوصفه جزءًا من الصراع السياسي والطبقي في لبنان والمنطقة. عداء القناة للمقاومة ليس ملتبسًا ولا مستترًا، بل عداء فجّ وبنيوي، يتجاوز النقد السياسي إلى استهداف فكرة المقاومة نفسها، وتجريدها من أي شرعية أخلاقية أو تاريخية.
تعمل القناة على إعادة تعريف الصراع مع إسرائيل عبر نزع طابعه الاستعماري والتحرري، وتحويله إلى مسألة داخلية أو مغامرة عبثية تتحمل المقاومة تبعاتها. في هذا السياق، لا تُقدَّم إسرائيل كدولة احتلال، بل كطرف له مخاوف أمنية ومن حقه الدفاع عن نفسه، فيما تُصوَّر المقاومة بوصفها أداة خارجية "إيرانية"، وتمثل الخطر الأساسي على الدولة والمجتمع. هكذا يجري قلب المعادلة: يُحَيَّد العدو الصهيوني، وتُقدم المقاومة كعدو داخلي.
يتجلى هذا العداء الفجّ بوضوح مع نزع كل الأقنعة الليبرالية نهائيًا. تُفتح الشاشة للتحريض السياسي المباشر ضد المقاومة وبيئتها الاجتماعية، ويُعاد إنتاج خطاب التخويف من الدمار والعقوبات والعزلة بوصفها قدرًا حتميًا سببه المقاومة وحدها، مع تغييب كامل لأي نقاش حول تاريخ الاعتداءات الإسرائيلية، أو حق الدفاع عن النفس، أو موقع القانون الدولي. هنا نكون أمام خطاب تعبوي مضاد للمقاومة.
وتحاول القناة تقديم نفسها احياناً كوسيلة إعلامية "موضوعية ومحايدة"، فتعتمد على ما يمكن تسميته التماثل الزائف، أي مساواة المعتدي بالمعتدى عليه، واستخدام لغة الطرفين في صراع غير متكافئ بنيويًا، وإخفاء الفارق الهائل في موازين القوة بين دولة احتلال نووية وشعب واقع تحت العدوان والتهديد الدائم. هذا التماثل لا يهدف إلى "الحياد"، بل إلى تفريغ المقاومة من معناها السياسي والأخلاقي، وتحويلها إلى عامل فوضى بلا قضية.
لا يمكن فصل هذا الدور الإعلامي عن الموقع الطبقي والسياسي للقناة. فهي تعبّر عن مصالح الشريحة الاوسع من البرجوازية اللبنانية التابعة، المرتبطة بالاقتصاد الريعي وبالمنظومة الغربية، والتي ترى في المقاومة تهديدًا مباشرًا لمصالحها ولنمط اندماجها في النظام العالمي. من هذا المنظور، يصبح الصراع مع إسرائيل عبئًا، وتُختزل السيادة في ضبط الداخل لا في مواجهة الخارج، ويُقدَّم الاستسلام والتخلي عن الحقوق والتنازل عن الأرض والسيادة كموقف وطني هدفه تجنيب اللبنانيين وحشية المعتدي.
ومما لا شك فيه أن القناة تؤدي وظيفة التسويق الايديولوجي لهذه الكتلة الاجتماعية، عبر إنتاج قبول اجتماعي بخطاب نزع السياسة عن الصراع، وإعادة تعريف العدو داخل وعي الجمهور نفسه. ومن المنطقي ان تتجنب القناة تناول الجوهر النازي للمشروع الصهيوني، وهي تطمس تاريخ المجازر والابادة والاقتلاع التي ارتكبها الصهاينة، وتروج لكره المقاومة، والتخويف منها، واعتبارها عبئًا أخلاقيًا واقتصاديًا على لبنان.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل لغة التحريض الطائفي التي تعتمدها القناة، سواء بشكل مباشر أو عبر الإيحاء المنهجي. إذ يجري ربط المقاومة وبيئتها الاجتماعية بهوية طائفية محددة، وتحميل هذه الهوية مسؤولية الانهيار والدمار والعزلة، بما يعيد إنتاج انقسام عمودي داخل المجتمع اللبناني. هذا الخطاب لا يستهدف المقاومة فحسب، بل يدفع باتجاه تفجير داخلي كامن، يلاقي العدو الصهيوني في منتصف الطريق، وذلك عبر شيطنة شريحة اجتماعية كاملة وتحويلها إلى خطر وجودي في المخيال العام. هكذا يصبح الإعلام جزء فاعل في الصراع الداخلي، ويجري استدعاء الغرائز الطائفية بوصفها بديلًا عن النقاش السياسي، في خدمة مشروع يدفع للإحتراب الأهلي بدلاً من مواجهة العدو الحقيقي.
ويكتمل هذا المسار مع ترويج القناة للتطبيع مع الصهاينة بذريعة أن أنظمة عربية أنجزته بالفعل، فيُقدَّم التطبيع كأمر واقع يجب اللحاق به، لا كخيار سياسي قابل للنقاش والمساءلة. ضمن هذا الخطاب، تُعاد صياغة إسرائيل كدولة طبيعية ينبغي التعاطي معها تحت مظلة السلام والاستقرار، مع شطب تاريخها الاستعماري وواقع احتلالها المستمر. بهذا، لا يُسوَّق التطبيع كسياسة خارجية فحسب، بل كتحوّل ذهني وأخلاقي يُطلب من المجتمع تبنّيه، ما يُكمل نزع السياسة عن الصراع ويُحوّل المقاومة إلى عائق أمام سلام متخيَّل يُفرض من أعلى.
ويُلاحظ في هذا السياق اعتماد القناة على استضافة معارضين شيعة بصفتهم شهود نفي، غير أنّ هشاشة خطاب هؤلاء وسطحيتهم وانعدام الحدّ الأدنى من المنطق التحليلي يؤدي وظيفة عكسية. فبدل إحداث خرق في البيئة المؤيدة للمقاومة، يُعاد إنتاج صورة معارضة مُفبركة ومنزوعة العمق الاجتماعي والسياسي، ما يعزّز التحام هذه البيئة حول خيار المقاومة وتمسّكها به بوصفه خيارًا عقلانيًا في مواجهة خطاب مُختلّ. هكذا تتحوّل محاولة الاختراق الإعلامي إلى عامل تعبئة مضاد، يؤكد الفجوة بين خطاب الشاشة وواقع المجتمع.
وفي مستوى أكثر خطورة، يمكن القول إن القناة تحوّلت عمليًا إلى ناطق باسم العدو الإسرائيلي، لا عبر إدخاله إلى بيوت المشاهدين فقط، بل عبر تبنّي منطقه التبريري بشكل ممنهج. إذ يجري تسويغ الاعتداءات اليومية والقتل والتدمير بوصفها ردودًا أمنية أو ضرورات دفاعية، مع تغييب متعمّد لكونها أفعال عدوانية صادرة عن دولة احتلال. ويترافق ذلك مع ترويج دعوات اقتلاع المقاومة من لبنان، ليس كطرح إسرائيلي فحسب، بل كخيار يُقدَّم للجمهور اللبناني على أنه طريق الخلاص والاستقرار. هنا يبلغ الانحياز ذروته: إعلام محلي يعيد إنتاج خطاب العدو، ويعمل على تطبيعه، وتعميمه، وتحويله إلى رأي داخلي مشروع.
كما لا يمكن عزل هذا الهجوم الإعلامي عن كونه جزءًا من منظومة منسّقة تتقاطع فيها أدوار عدد من وسائل الإعلام العربية والمحلية، ضمن أجندة سياسية واحدة تُدار وتُوجَّه من قبل السفارة الأميركية في لبنان، ومسنودة بتمويل خليجي، ما يجعله حلقة في سياسة إعلامية أوسع. هذه السياسة لا تستهدف المقاومة فحسب، بل تعمل أيضًا على تبييض دور المصارف وحمايتها سياسيًا وإعلاميًا في سياق نهب ممنهج للودائع وتجويع المجتمع، عبر تحويل الأنظار من الجريمة المالية البنيوية إلى خصم سياسي مُشيطن. هكذا يلتقي التحريض على المقاومة مع الدفاع عن المصارف: حصارٌ سياسي وأخلاقي للمقاومة من جهة، وتحصينٌ للمنظومة الريعية التي نهبت اللبنانيين من جهة أخرى.
إن عداء قناة إم تي في للمقاومة ليس تفصيلًا إعلاميًا، بل موقفًا أيديولوجيًا واضحًا في معركة الوعي. هو عداء يعمل على تفكيك شروط إمكان المقاومة داخل المجتمع، لا فقط على نقد ممارساتها. وفي لحظة انهيار شامل، يصبح تفكيك هذا الدور الإعلامي ضرورة سياسية وفكرية، لأن المعركة لم تعد تُخاض على الأرض وحدها، بل على المعنى، واللغة، والوعي الجمعي. ففي زمن الهيمنة، لا يُطلب من الإعلام أن يكذب دائمًا، بل أن يعيد ترتيب الواقع بحيث يبدو الخضوع عقلانيًا، والنهب ضرورة، والمقاومة جريمة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *