حرب الخليج 2026: خسائر متراكمة وحلول بعيدة المنال*فؤاد خمليشي
حرب الخليج 2026: خسائر متراكمة وحلول بعيدة المنال*فؤاد خمليشي
بناءً على المعطيات المتاحة حتى الآن، يمكن القول إنه لا يوجد فائز واضح في هذه الحرب حتى اللحظة، بل هناك خاسرون كثر، والخاسر الأكبر هو الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي بأكمله، لكن تحليل خسائر الأطراف (أوروبا، الصين، الدول العربية) يختلف باختلاف موقعها من الصراع.
عند تحليل وضع كل طرف على حدة، نجد أن أوروبا تُعَدُّ الخاسر الاستراتيجي والاقتصادي الأبرز، فهي تجد نفسها في موقف بالغ الصعوبة حيث تبدو عاجزة عن لعب دور فاعل، وخطابها موحَّد ظاهرياً بالدعوة إلى خفض التصعيد لكنه منقسم باطنياً بين مؤيد صريح لإسرائيل كألمانيا، ومتحفِّظ على العمل العسكري الأحادي كإسبانيا، وقَلِق على مصالحه كفرنسا. هذا الموقع المتردد يجعلها تبدو ضعيفة وغير مؤثرة. كما أن أوروبا تدرك أنها ليست الفاعل العسكري الحاسم، وهي مرتبطة بحلف الناتو وبالتحالف مع واشنطن، مما يعني أن أي توسع للحرب سيهدد أمنها مباشرة، سواء عبر تهديد الملاحة أو عبر موجات لجوء محتملة أو تداعيات اقتصادية. ناهيك عن أن أمن الطاقة الأوروبي مهدد بشكل كبير، فمع توقف إنتاج الغاز القطري (الذي يذهب 82% منه إلى آسيا أساساً) فإن أي نقص في الإمدادات العالمية سيرفع الأسعار ويعيد شبح أزمة الطاقة الذي عانت منه أوروبا بشدة في السنوات الماضية.
أما الصين والدول الآسيوية المستوردة للطاقة فهي الخاسر الاقتصادي الأكبر، فالصين هي أكبر مستورد للنفط الإيراني منخفض السعر، وأيضاً أكبر مستفيد من استقرار الخليج. هذه الحرب تهدد إمداداتها النفطية وتضرب استراتيجية أمن الطاقة لديها، مما يزيد تكاليف الوقود ويضغط على النمو الاقتصادي. وبالمثل، تعتمد الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيا بشكل شبه كامل على نفط وغاز الخليج، وارتفاع أسعار النفط (الذي قفز إلى 82 دولاراً) وتعطُّل حركة الناقلات في مضيق هرمُز يهددان بزيادة التضخم وعجز الميزان التجاري، وقد يخفضان النمو الاقتصادي في القارة الآسيوية بأكملها.
أما الدول العربية فهي الخاسر المباشر على الأرض، حيث تدفع الثمن الأغلى والأكثر إيلاماً سواء على المستوى العسكري والاقتصادي أو البشري. فقد تعرَّضت دول خليجية مثل قطر لوقف إنتاج الغاز بعد هجوم، والسعودية لاستهداف مصفاة رأس تنورة وإغلاقها، والكويت لسقوط شظايا في مصفاة ميناء الأحمدي، والإمارات لانفجارات في أبوظبي وإصابات بين المدنيين. كما أن هناك إصابات وقتلى في صفوف المدنيين في دول مثل الإمارات والكويت وسوريا. وقناة السويس المصرية التي كانت تُعاني أصلاً من تراجع الإيرادات بنسبة 45% بسبب توترات سابقة، أصبحت الآن تحت ضغط مضاعف مع تهديدات باب المندب ومضيق هرمُز. بالإضافة إلى أن الدول العربية حليفة لأمريكا لكنها لا تريد حرباً إقليمية تدمر خططها التنموية مثل رؤية 2030، فهي عالقة بين التحالف مع واشنطن والخوف من الانجرار إلى حرب شاملة مع إيران وحلفائها.
أما بخصوص الحل، فالسؤال الأصعب يتعلق بإمكانية التسوية. ورغم أن المشهد يبدو معقداً جداً بناءً على المعطيات الحالية، إلا أن هناك خيوطاً خفية قد تؤدي إلى تسوية في النهاية. فمن ناحية، الموقف الرسمي متصلب، حيث تعلن إيران رسمياً رفضها التفاوض مع واشنطن وتقول إنها مستعدة لحرب طويلة، ووزير خارجيتها يقول إن ترامب "خان الدبلوماسية"، بينما تقول أمريكا إنه لا توجد مفاوضات جارية وإن العمل العسكري يجب أن يأخذ مجراه، وقد أعطى الكونغرس ترامب تفويضاً واسعاً بعد فشل مشروع قانون كان يهدف إلى تقييد صلاحياته. ولكن من ناحية أخرى، هناك ومضات دبلوماسية خافتة تتمثل في تقارير عن رسائل غير مباشرة من إيران إلى أمريكا عبر دولة ثالثة تفيد باستعدادها لفتح محادثات حول إنهاء الحرب. هذا تناقض صارخ مع التصريحات الرسمية العدائية، ويشير إلى وجود تيارات داخل النظام تبحث عن مخرج. كما أن دولاً مثل قطر وسلطنة عمان يمكن أن تلعب دور الوسيط، وهي تحاول بالفعل إقناع الأطراف بوقف التصعيد.
ومع ذلك، هناك عقبات شبه مستعصية أمام أي حل. أولها مسألة القيادة، حيث يطرح ترامب علناً فكرة المشاركة في اختيار القيادة الإيرانية الجديدة، وهو شرط تعتبره إيران غير واقعي وتدخلاً في شؤونها الداخلية. وثانيها الاغتيالات، حيث تعهَّدت إسرائيل باغتيال أي قائد جديد لإيران، مما يجعل أي عملية سياسية مستحيلة في ظل استهداف مباشر للطرف الآخر. وثالثها أهداف الحرب المتباينة، فهدف أمريكا المعلن هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتفكيك برنامجها الصاروخي، بينما تقرأ إيران أن الهدف الحقيقي هو تغيير النظام. هذا التناقض يجعل أي تسوية سياسية شبه مستحيلة ما لم يتراجع أحد الطرفين عن أهدافه القصوى.
وإذا نظرنا إلى الصورة الكبيرة، يمكن القول إن الخاسر الأكبر هو النظام الإقليمي برمته، حيث مشاريع التنمية والتعاون الإقليمي والاستقرار الاقتصادي كلها في مهب الريح. فالدول العربية تخسر أمنياً واقتصادياً بشكل فوري، وآسيا تخسر اقتصادياً بسبب اضطراب الطاقة، وأوروبا تخسر استراتيجياً وسياسياً. بينما قد تحقق أمريكا وإسرائيل بعض المكاسب العسكرية التكتيكية، لكن الثمن الباهظ هو استنزاف الموارد والدخول في مستنقع إقليمي طويل الأمد. وإيران تخسر بنيتها التحتية وقياداتها حتى لو استطاعت الصمود. وبالنسبة للحل، فهو صعب لكنه ليس مستحيلاً، وسيكون عبر وساطة مكثفة من قطر أو عُمان أو حتى الصين، وتوقف القتال فعلياً إما باستنزاف الطرفين أو بضغط دولي هائل لوقف إطلاق النار، ثم العودة إلى طاولة المفاوضات لكن بشروط مختلفة، وبعد أن تثبت إيران أنها لم تسقط وأن أمريكا لم تستطع تحقيق أهدافها الكبرى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق