جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

سيادة مُصادَرة: منطق الهيمنة وإعادة تشكيل العالم التابع*فؤاد خمليشي

 سيادة مُصادَرة: منطق الهيمنة وإعادة تشكيل العالم التابع*فؤاد خمليشي

ما يُعرض على شعوب المنطقة العربية والجنوب العالمي ليس مجرد مشروع تعاون دولي، بل هو التجلي الأحدث للصيغة الإمبريالية في إعادة تنظيم أطراف النظام الرأسمالي العالمي. إنه مشروع يستهدف، في جوهره، انتزاع ملكية وسائل الإنتاج الأساسية (النفط، المعادن الاستراتيجية) من يد المجتمعات الوطنية، وإخضاعها لمنطق التراكم الرأسمالي الاحتكاري. هذا الانتزاع لا يعني فقط نقل ملكية الثروة، بل يعني تحويل الدولة الوطنية إلى مجرد وكيل إداري للرأسمال العالمي، تُسلب منها فائض قيمتها وتُفرغ من وظيفتها التنموية، لتصبح حلقة في سلسلة الاستنزاف التي تغذي مراكز التراكم في الشمال الإمبريالي.
غير أن سلب الثروة هو المدخل لتجريد الدولة من سيادتها السياسية، وهو ما يمثل الاستمرارية التاريخية للعلاقة الاستعمارية بوسائل حديثة. فنقل صلاحيات رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية من المؤسسات الوطنية المنتخبة (أو المفترض أنها تمثل إرادة الجماهير) إلى مؤسسات مالية دولية (كصندوق النقد والبنك الدوليين) وتحالفات عسكرية (كالناتو) هو عملية تفريغ للدولة من مضمونها الطبقي المستقل، وتحويلها إلى أداة لضبط إيقاع المجتمعات التابعة وفق متطلبات إعادة إنتاج النظام الرأسمالي العالمي. هنا تغدو الديمقراطية البرجوازية الشكلية نفسها غير مرغوب فيها إن عطلت تدفق فائض القيمة نحو المركز.
ويُمثل الانتشار العسكري، بقواعده وحصونه، الضمان المادي القصوى لهذه العلاقة الاستغلالية. فالجيوش الدائمة ليست سوى الدرع الذي يحمي طرق الطاقة والتجارة من أي اعتراض، ويؤمن بيئة الاستثمار للاحتكارات العالمية. المطلوب، في هذا السياق، هو نزع سلاح المجتمعات التابعة، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا وفكريًا، عبر تجريدها من كل أدوات المقاومة الفاعلة التي قد تهدد انسيابية هذا النهب المنظم. تتركز أدوات العنف في يد الإمبريالية وحلفائها المحليين، بينما تُجرد الأغلبية من حق الدفاع عن مقدراتها، في إعادة إنتاج كلاسيكية للعلاقة بين السيد والعبد على المستوى الدولي.
في هذا الإطار بالذات يجب فهم "اتفاقيات التطبيع" المطروحة. إنها ليست تسوية سياسية لصراع تاريخي، بل هي حلقة في سلسلة إدماج المنطقة بكاملها في بنية أمنية واقتصادية أحادية القطب، هدفها النهائي هو تصفية آخر مراكز المقاومة التاريخية لإرادة الهيمنة. إنها اتفاقيات تهدف إلى تحويل "الآخر" الإقليمي من خصم إلى شريك في حراسة المصالح الإمبريالية المشتركة، وإعادة توزيع الأدوار داخل "التابع" نفسه بما يحصن المنظومة الكلية.
وإذا كانت إرادة الجماهير أو المصالح الوطنية تتعارض مع هذا الترتيب، يُصار إلى استخدام أشد أدوات الرأسمالية وحشية: التفكيك، تقسيم الدول، التدمير الممنهج للبنى التحتية والمجتمعات عبر الحروب الأهلية بالوكالة، العقوبات الاقتصادية الشاملة، والحصار الجائر. الهدف هنا هو إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية ذاتها، ليس على أساس حقوق الشعوب أو تاريخها، بل على أساس احتياجات تراكم رأس المال وهيمنته. تتحول الدولة-الأمة من كيان سيادي له مصالحه الطبقية المستقلة نسبيًا، إلى مجرد وحدة جيوسياسية قابلة للقص واللصق والتشكيل بما يخدم توازنات القوى الرأسمالية.
أما السلطة السياسية المحلية، ففي ظل هذه البنية التابعة، تتحول إلى مجرد لجنة إدارة للشؤون العامة لحساب الرأسمال الاحتكاري العالمي. يصبح تداول الحكم خاضعًا لشرط القبول الخارجي، وتُستخدم أدوات الضغط والعزل والابتزاز وحتى الانقلابات لضبط إيقاع هذه السلطة ومنعها من الخروج عن الدور المسند إليها في عملية الاستغلال. الحاكم هنا، مهما تكن شعاراته، هو موظف لدى شبكة المصالح الإمبريالية-الرأسمالية المسيطرة، وليس نائبًا عن كادحي الشعب.
بهذا المعنى، فإن ما نواجهه ليس مجرد هيمنة سياسية أو ثقافية، بل هو بنية اقتصادية اجتماعية متكاملة، هي بنية الرأسمالية الإمبريالية المعاصرة في علاقتها بالأطراف التابعة. إنها عملية تراكم رأسمالي على نطاق عالمي، تقوم على انتزاع فائض القيمة من شعوب الجنوب، وتجريدها من سيادتها على مواردها وقرارها وقوتها. أمام هذه البنية الشاملة، يبرز السؤال الاستراتيجي الوحيد الذي يحدد مصير شعوب المنطقة والجنوب العالمي: هل تبقى الجماهير الكادحة مجرد مادة خام لهذه العملية التاريخية لإعادة الإنتاج الموسع للتبعية والاستغلال، أم ستتحول إلى طليعة ثورية قادرة على كسر أغلال هذه البنية، واستعادة وسائل الإنتاج، وبناء سلطة مستقلة تضع الثروة في خدمة الأغلبية، وتفتح الطريق نحو اشتراكية تحرر الإنسان من ربقة الاستغلال بأشكاله كافة؟
Fouad Khamlichi. 07/03/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *