لينين والتنظيم: هل كان الحزب انعكاسا للمصنع؟الرفيق محمد السفريوي
لينين والتنظيم: هل كان الحزب انعكاسا للمصنع؟الرفيق محمد السفريوي
عندما نقرأ التصور التنظيمي لدى فلاديمير لينين، خصوصا كما صاغه في كتاب ما العمل؟، نجد نموذجاً حزبياً يقوم على مركزية صارمة، تسلسل هرمي واضح، وانضباط تنظيمي شديد. وقد اعتبر هذا النموذج، في الأدبيات الشيوعية، شرطا لبناء حزب ثوري قادر على مواجهة دولة برجوازية منظمة. لكن من المفيد أيضا قراءة هذا التصور من نافذة سوسيولوجية العمل: أي في إطار بنية و ثقافة الطبقة العاملة الصناعية في مطلع القرن العشرين.
في تلك الفترة كان المصنع الصناعي هو الشكل المهيمن لتنظيم العمل. وقد ظهرت داخل الصناعة ما عُرف بـ " التنظيم العلمي للعمل " أو " التايلورية "، التي طورها المهندس الأمريكي فريدريك وينسلو تايلور. تقوم هذه الطريقة على تحليل دقيق للعمل وتقسيمه إلى مهام صغيرة محددة، مع فصل صارم بين من يخطط ومن ينفذ، بهدف رفع الإنتاجية والسيطرة على عملية الإنتاج.
اللافت أن المبادئ الأساسية لهذا النموذج الصناعي تشبه إلى حد بعيد بعض خصائص التنظيم اللينيني. فالتايلورية تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية ، كتقسيم العمل إلى وظائف دقيقة ومتخصصةو فصل التفكير والتخطيط عن التنفيذ و تنظيم هرمي واضح يحدد المسؤوليات بدقة.
وإذا انتقلنا إلى الحزب اللينيني نجد عناصر مشابهة ، هيئة اركان تتولى صياغة الخط السياسي ثم بنية تنظيمية هرمية تسهل نقل التوجيهات إلى القاعدة و تقسيم العمل عبر خلايا أو لجان مكلفة بمهام.
ليس المقصود هنا القول إن لينين استنسخ التايلورية ، بل إن كلا النموذجين ولدا في نفس البيئة التاريخية: مجتمع انتشار المصنع الكبير. و العامل في روسيا القيصرية كان جزءا من منظومة إنتاج ضخمة تعتمد على الانضباط والتخصص. وبالتالي كان من الطبيعي أن يتخيل التنظيم السياسي الثوري نفسه وفق منطق مشابه: جهاز مركزي قادر على التنسيق والتحكم في شبكة واسعة من المناضلين.
بعبارة أخرى، كان الحزب اللينيني ـ إلى حد ما ـ إجابة سياسية لروح التنظيم الصناعي الحديث. فإذا كان المصنع التايلوري يهدف إلى تنظيم العمل من أجل أقصى إنتاجية، فإن الحزب اللينيني كان يهدف إلى تنظيم النضال من أجل أقصى فعالية ثورية.
لكن عندما يتحول هذا النموذج إلى صيغة تنظيمية عابرة للتاريخ. فهنا يكمن الإشكال. فالطبقة العاملة التي صاغ لينين تنظيما مناسبا لها كانت طبقة مصانع ضخمة، متمركزة، تعمل وفق إيقاع صناعي واحد. أما اليوم فقد تغيرت بنية العمل: توسع قطاع الخدمات، و تغيرت بنية المصنع الكبير، وظهرت أشكال عمل مرنة ومجزأة.
فهل يمكن لتنظيم صُمم لطبقة عمالية صناعية كثيفة أن يعمل بنفس الفعالية في زمن العمالة المشتتة والعمل الرقمي؟


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق