سميرة قسمي: الكلاب تتبعني…
سميرة قسمي:
الكلاب تتبعني…
لا لأنها جائعة فقط،
بل لأن الرائحة التي أحملها
ليست رائحة خوفٍ كامل،
ولا طمأنينةٍ كاملة،
بل تلك المنطقة الرمادية
حيث يتردد العالم
قبل أن يعضّ أو يهرب.
هاو… هاو…
صوتها ليس نباحًا،
بل إنذارٌ بدائيّ
ينبع من تاريخٍ أقدم من القوانين،
حين كانت القوةُ هي اللغة الوحيدة،
والحقُّ يُقاس بحجم الفكّ.
وأنا أسيرة…
لا جدران حولي،
لكن الهواء نفسه مُسوَّر،
والخطوات تُقاس
بمدى رضا العيون المختبئة في الزوايا.
في هذا البلد،
لا تُترجم المرأة إلى كلمات،
بل إلى أدوارٍ جاهزة،
إلى وظائف صامتة،
إلى ظلٍّ يُحسن الوقوف خلف الضوء.
لكنني لستُ ظلًا.
أنا تلك الفجوة
التي لا ينجح النظام في سدّها،
الخلل الصغير
الذي يكبر مع كل محاولة إصلاح،
أنا السؤال الذي يفسد الإجابة
قبل أن تكتمل.
يقولون: استقري،
كأن الاستقرار
ليس إلا إعادة تدويرٍ للخضوع،
كأن الطمأنينة
ليست سوى اتفاقٍ جماعيّ
على تجاهل السقوط.
وأنا أرى الأشياء بشكلٍ آخر:
كل شيءٍ يتحرك،
حتى الثبات يهتزّ في داخله،
كل بناءٍ يحمل بذرة انهياره،
وكل قيدٍ
يحتاج طاقةً مستمرة
كي لا يتكسر.
من أين تأتي هذه الطاقة؟
من أجسادٍ منهكة،
من أرواحٍ مُؤجَّلة،
من نساءٍ يُطلب منهن
أن يكنّ الجدار
والأساس
والسقف
ثم يُسألن لماذا يتعبن.
أنا المرأة التي لم تتعلم
كيف تنسى نفسها،
التي لم تُقنعها الحكايات
أن التضحية قدرٌ لا يُناقش،
التي رأت أن الألم
ليس شرفًا بحد ذاته،
بل علامة خلل.
يقولون: اصبري،
وأفكر:
هل الصبر قانون طبيعي؟
أم اختراعٌ بشري
لتمديد عمر الظلم؟
في الشوارع،
الوجوه متشابهة،
ليست لأنها وُلدت كذلك،
بل لأنها صُقِلت طويلًا
حتى فقدت اختلافها،
كأن الناس معادن
تمر عبر مصنعٍ واحد،
تخرج بنفس الانحناء.
أما أنا،
فقطعة لم تنصهر جيدًا،
حافتها حادة،
لا تناسب الآلة،
فتُرفض…
أو تُقصى…
أو تُكسر.
يقولون: لماذا ترحلين؟
وأضحك—
ليس لأن الرحيل حلّ،
بل لأنه أحيانًا
المعادلة الوحيدة الممكنة
حين تصبح الأرض
أضيق من فكرة.
الهجرة ليست سفرًا،
بل إعادة توزيعٍ للهواء،
محاولة لإيجاد مساحة
لا تُقاس فيها قيمة الإنسان
بمدى طاعته.
سجنوني،
ثم سجنوني،
ثم سجنوني،
وها هم يسجنونني من جديد—
لا بالجدران هذه المرة،
بل بالأيدي التي يُحرّكونها نحوي.
قبل أمس
أرسلوا من يضيق عليّ باسم الدين،
وأمس
أرسلوا من يضيق عليّ باسم الحرية،
واليوم
يرجمون مسكني بالحجر،
كأن الاختلاف جريمة
والوجود نفسه استفزاز.
أهؤلاء يصنعون وطنًا حضاريًا؟
أهذا وطنٌ يتسع لأمثالي؟
لا بد أن أهاجر—
لا لأن الرحيل نجاة،
بل لأن البقاء استنزاف.
إلى سجنٍ آخر،
إلى منفى آخر،
إلى زنزانةٍ بأسماء مختلفة،
إلى راحةٍ لا تشبه الراحة،
إلى العدم…
لكن الأهم—
أن أهاجر
إلى مكانٍ
بذاكرةٍ رضيعة،
لا تعرفني مسبقًا،
ولا تحاكم ظلي
قبل أن يراني الضوء.
فلتزدادوا فقرًا على فقر—
ليس شتيمة،
بل نتيجة حسابٍ بسيط:
حين يُقصى نصف المجتمع
يختنق النصف الآخر،
وحين تُحاصر الفكرة
تذبل اليد التي كانت ستبني.
ولتزدادوا قهرًا على قهر—
لأن القهر لا يبقى في مكانه،
إنه يتمدد،
يتسرب من الأعلى إلى الأسفل،
ثم يعود كإعصار
يبتلع الجميع.
ولتزدادوا ذلًا—
ليس لأنكم تستحقون،
بل لأنكم تعتادون،
والاعتياد أخطر من القيود،
لأنه يجعل القيد يبدو طبيعيًا.
أيها الجمع…
يا من تظنون أن الصمت حياد،
هو في الحقيقة
مشاركة بلا صوت،
وتوقيعٌ غير مرئي
على كل ما يحدث.
العبودية لا تُفرض دائمًا،
أحيانًا تُختار،
حين يصبح الخوف
أقوى من الرغبة،
وحين يُقنع الإنسان نفسه
أن السقف المنخفض
سماء.
أما أنا،
فلا أبحث عن بطولة،
ولا عن مأساةٍ تليق بالشعر،
أبحث فقط عن معادلة
يكون فيها الإنسان إنسانًا،
دون شروطٍ مسبقة.
الكلاب ما زالت تتبعني…
لكنني بدأت أفهم:
ليست هي الخطر،
بل ذلك الصوت في الداخل
الذي يقول:
توقفي.
وأنا…
لا أتوقف.
لأن كل خطوةٍ إلى الأمام
تُربك النظام قليلًا،
تفتح احتمالًا صغيرًا،
تثبت أن ما يبدو ثابتًا
يمكن أن يهتزّ.
وأن المرأة
حين ترفض أن تكون تفسيرًا جاهزًا،
تصبح…
بداية نصٍّ جديد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق