جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

غرباوي الثلج: الهرگاوي في منفى شراب القيقب/فؤاد خمليشي

 غرباوي الثلج: الهرگاوي في منفى شراب القيقب/فؤاد خمليشي

تأملتُ طويلاً في ظاهرة "الهرگاوي" وامتداداتها في الوجدان الجمعي المغربي، فوجدتُ أننا أمام اختراع أنثروبولوجي فريد، لا يقل عبقرية عن اكتشاف "البانوبتيكون" عند فوكو، أو "صناعة التسلية" عند أدورنو.
الهرگاوي، هذا الكائن المسرحي الذي ابتدعه الفذ، ليس مجرد شخصية كوميدية، بل هو تجسيد حي لنظرية "اللاوعي السياسي" بالدارجة المغربية. إنه المرآة المقعرة التي يرى فيها المغاربة أنفسهم مشوهين، فيضحكون. يضحكون لأن البديل هو البكاء. يضحكون لأن الضحك، كما قال نيتشه، هو "قتل الألم في مهد الفكرة".
لكن السؤال الكانطي الذي يطرح نفسه بإلحاح أخلاقي: من يدفع ثمن هذه الضحكة؟
السيّد حسن، الذي أتقن فن "الهرغنة" (وأقترح إضافة هذا المصطلح إلى معجم العلوم السياسية)، يجلس الآن في شقته بمونتريال أو ضواحي تورونتو الهادئة، يتأمل كشف حسابه البنكي وهو يرتشف قهوة "تيم هورتونز" بثمن وجبة أسرة مغربية كاملة، بينما الثلج يتساقط في صمت خارج النافذة، أبيضَ ناصعاً كضمير مستقيل. إنه الرأسمالي الجديد، رأسمالي الضحك. يستخرج المادة الخام (بؤس المغاربة)، يحولها إلى سلعة ترفيهية (سكاتشات رمضانية)، ثم يصدرها إلى حيث يقيم هو تحت سقف المهجر البارد، تاركاً عمال المناجم الكوميدية (المشاهدين) يدفعون الفاتورة مرتين: مرة بالمال، ومرة بالوعي المسلوب.
إنه مثال ساطع على "الريع الكوميدي"، نظام اقتصادي موازٍ لا يقل بشاعة عن ريع الفوسفاط أو الصيد البحري. فالهرگاوة (الجمع الذي أطلقه على أتباعه ومريديه) يدفعون عن طيب خاطر، بل بفرح، رسوم الانتماء إلى مملكة السخافة المقدسة. يشترون التذاكر، يشاهدون الإعلانات، يملأون الاستمارات البنكية لتقسيط جهاز التلفاز الذي سيتابعون عليه مسلسلات رمضان... بينما الهرگاوي الأعلى، الحسن الضاحك الأخير، يحصد الغلة في صمت أنيق، ويحوّلها إلى دولارات كندية معقمة من رائحة الفقر.
المأساة الحقيقية ليست في أن "الهرگاوي" يتكلم كلاماً فارغاً. المأساة أن كلامه الفارغ أصبح المرجعية. صار الناس يقولون "قال الهرگاوي" كما كانوا يقولون "قال ابن رشد". تحولت السخافة إلى إبستمولوجيا، والتفاهة إلى أونطولوجيا. هذا ما أسميه "الانقلاب الهرگاوي" على غرار الانقلاب التفكيكي عند دريدا، لكن بالمعكوس: بدل أن نُظهر أن النص يحمل نقيضه، نُظهر أن الشعب يحمل نقيض مصلحته بكل حب وحماس.
في السيرك السياسي المغربي، الهرگاوي هو مهرج البلاط الجديد. لكنه ليس مهرجاً يضحك الملك. إنه مهرج يضحك الشعب لئلا يفكر الشعب. إنه المخدّر الصوتي، الأفيون الكوميدي. وعندما يفيق المواطن من نشوة الضحكة، يجد أن جيبه فارغ، وأن الهرگاوي قد جمع ثمن تذكرته وغادر نحو المنفى الاختياري البارد، حيث يراقص أوراق القيقب الحمراء برصيده البنكي المتضخم.
أليس هذا هو التعريف المعاصر للاستعمار الثقافي؟ نخبة تنتج التسلية، جمهور يستهلكها ويدفع ثمنها، والنخبة تعيش في شمال أميركا بأموال جنوب المتوسط؟ إنها علاقة "المركز والهامش" لكن مقلوبة: المركز المالي فيما وراء الأطلسي، والهامش الإنتاجي البشري في المغرب.
أضحك، أيها الهرگاوي الأعلى، أضحك. أضحك من فوق أرائك أوتاوا المدفأة. أضحك وأنت تودع شيك الأمسية في بنك "رويال بنك أوف كندا". أضحك والثلج يكسو محيطك بصمت مقبرة، فبكاؤك محفور على جبين كل أسرة مغربية استدانَت لتضحك على بؤسها، ثم عادت إلى بؤسها لتجده قد ازداد بؤساً... وضحكة.
وهكذا، يتحقق المثل المغربي القديم بنسخته المحدثة: "اللي ضحك مع الهرگاوي، صحا على البرد".
Fouad Khamlichi 05/05/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *