"حرية، كرامة، عدالة: شعار بلا نهاية"فؤاد خمليشي
"حرية، كرامة، عدالة: شعار بلا نهاية"فؤاد خمليشي
الحرية، الكرامة، العدالة الاجتماعية – ثلاثة شعارات لخصت أزمة عميقة يعيشها المغرب منذ عقود، أزمة سلطة وثروة وتمثيل، حيث راكمت الدولة أدوات الضبط أكثر مما راكمت شروط المواطنة الحقيقية. حين خرجت جماهير حراك 20 فبراير سنة 2011، كانت تضع جوهر البنية السياسية والاقتصادية موضع مساءلة مباشرة: كيف تُنتج السلطة، وكيف تُوزع الثروة، ولماذا يظل التفاوت قاعدة دائمة لا تتزعزع داخل النظام كله.
حراك 20 فبراير كان نتاج تراكم طويل من التهميش الاجتماعي، وتآكل الثقة في المؤسسات، وتضخم الفوارق الطبقية، وانغلاق المجال السياسي أمام أي مشاركة شعبية حقيقية. في لحظة انفجار إقليمي واسع، اكتشف آلاف الشباب المغاربة أن أدوات الخوف لم تعد كافية لضبط الشارع، فخرجت المظاهرات لتعلن قطيعة سياسية مع منطق الطاعة السلبية، ودخل الشارع التاريخ كفاعل سياسي مستقل، مما دفع الدولة إلى رد سريع: امتصاص الصدمة دون المساس بجوهر توازنات السلطة.
الحرية لم تكن مطلبًا أخلاقيًا مجردًا، وإنما كانت صراعًا حول من يمتلك الحق في الكلام والتنظيم والاحتجاج والتأثير في القرار العام. دستور 2011 قدم نفسه كلحظة انتقال ديمقراطي، لكنه حافظ عمليًا على البنية المركزية للسلطة، ووسّع الحقوق نظريًا بينما استمرت آليات الضبط الإداري والأمني والقضائي في تحديد المجال السياسي الواقعي، مما خلق مسافة دائمة بين الشرعية القانونية والممارسة الفعلية، حيث تبقى الحقوق على الورق لكن تفعيلها يظل رهين منطق التحكم السياسي.
الكرامة تعني الشروط المادية للحياة: الحق في الصحة والتعليم والشغل والسكن والنقل، وأي حديث عنها خارج هذه الأسس يتحول إلى خطاب تجميلي فارغ. الدولة التي تعجز عن ضمان العلاج والعمل والسكن لا تستطيع الادعاء بصيانة كرامة مواطنيها، لذلك ارتبطت فكرة الكرامة في الاحتجاجات المغربية بالنقد المباشر لمنطق الريع والفساد والمحسوبية، حيث لا يواجه المواطن ضعف الخدمات فقط، وإنما يواجه بنية كاملة تعيد إنتاج الامتيازات الاجتماعية لصالح أقلية تحتكر الثروة والقرار الاقتصادي، بينما تتحول حياة سكان الأحياء الشعبية والقرى المهمشة إلى معركة استنزاف اجتماعي دائم.
العدالة الاجتماعية كانت أخطر عناصر الشعار سياسيًا لأنها مست جوهر النظام الاقتصادي القائم، فهي تعني إعادة توزيع الثروة والفرص والسلطة، ومساءلة النموذج التنموي نفسه، لا مجرد تحسين نتائجه. طوال عقود، بُني الاقتصاد المغربي على التفاوت المجالي والطبقي كآلية للاستقرار السياسي، حيث راكمت المدن المركزية البنية التحتية والاستثمار بينما تُركت مناطق كاملة خارج دورة التنمية، ليعاد إنتاج التهميش كوظيفة بنيوية داخل السوق والسياسات العمومية.
مشروع الحماية الاجتماعية منذ 2021 كشف حدود المقاربة الرسمية، فالتوسيع النظري للتغطية الصحية داخل اقتصاد هش وسوق شغل غير مستقر وخدمات عمومية منهكة يجعل الإصلاح محدود الأثر، لأن الأزمة ليست تقنية حتى تُحل بإجراءات إدارية معزولة، إنها مرتبطة بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه الذي يراكم الثروة في الأعلى ويعيد توزيع الأعباء في الأسفل، مما يفسر تدهور القدرة الشرائية واستمرار البطالة وتعمق الفوارق رغم الخطابات الرسمية عن التنمية.
منذ 2011 لم تختفِ الاحتجاجات لأن أسبابها البنيوية لم تختفِ، وإنما تغيرت أشكال التعبير فقط: حراك الريف، احتجاجات جرادة، نضالات الأساتذة، الاحتجاجات المهنية والقطاعية، ثم موجات التعبئة الرقمية للأجيال الجديدة، كلها تؤكد أن المجتمع لم يعد يقبل منطق الصمت السياسي مقابل الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، وأن تكرار شعار "حرية، كرامة، عدالة اجتماعية" ليس صدفة لغوية وإنما دليل على استمرار الأزمة التاريخية نفسها دون حل جذري.
في المقابل، تطورت أدوات الدولة أيضًا: توسعت آليات المراقبة الرقمية، واشتد التحكم في المجال الإعلامي، وتحول الاستثناء الأمني إلى منطق دائم لإدارة المجال العمومي، حيث لا تعتمد الدولة الحديثة على القمع المباشر فقط، وإنما على إنتاج الخوف والتطبيع مع العجز السياسي، فيُدفع المواطن تدريجيًا إلى الاقتناع بأن التغيير مستحيل وأن السياسة مجرد إدارة فوقية مغلقة، وهو ما يحول الإحباط إلى حالة جماعية مستقرة.
الأزمة إذن ليست نقص إصلاحات أو ضعف نخب سياسية، وإنما أزمة بنية كاملة تعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي والاحتكار السياسي داخل دورة مستمرة، حيث يظل أي انتقال ديمقراطي حقيقي مستحيلًا ما دامت السلطة الاقتصادية مركزة، وما دامت الثروة منفصلة عن الرقابة الشعبية، وما دام القرار العمومي خاضعًا لمنطق فوقي لا ينبع من الإرادة الاجتماعية المباشرة.
شعار "حرية، كرامة، عدالة اجتماعية" لم يفقد راهنيته لأنه لم يتحقق أصلًا، وما زال يمثل التعبير الأكثر كثافة عن التناقض المركزي في المجتمع المغربي: مجتمع ينتج الثروة جماعيًا بينما تُحتكر السلطة والثروة داخل دوائر ضيقة، وهذا هو السبب الذي يجعله يعود مع كل أزمة، ومع كل احتجاج، ومع كل جيل جديد يكتشف أن المشكل ليس ظرفيًا وإنما بنيوي ومتجذر في طبيعة النظام السياسي والاقتصادي نفسه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق