جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الرابع والاربعون) أحمد رباص كاتب (Ahmed Rabass)/الحوار المتمدن

   قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الرابع والاربعون) أحمد رباص كاتب (Ahmed Rabass)/الحوار المتمدن

وفاء للطريقة المتبناة في إنجاز هذه القراءة، أبادر إلى استئناف إعادة النظر في الأشكال التي وقع عليها اختيار الكاتب لتقديم ما أتيت لتوي على تلخيصه في السطور السابقة.
في هذا الإطار، عرض سي باحدو في أسفل الصفحة (454) سبع نقاط عبارة عن وعود تضمنها مخطط حكومة عبد الرحمن اليوسفي. المأخذ الوحيد الذي يسجل على الكاتب على هذا المستوى هو أنه ختم كل وعد وعد بنقطة عوض نقطة فاصلة.
في الفقرة الثانية من الصفحة (455)، استعمل سي باحدو مجموعة من الأفعال الحركية في الزمن المضارع، ولو استعملها في الزمن الماضي لكان أفيد وأنسب للحديث عن أحداث خلت وخلفت أثرا على الذاكرة.
وفي بداية الفقرة الثالثة من نفس الصفحة، يقول سي باحدو: "أعلن اليوسفي أن إصلاح الإدارة والعدل ستحظى بالأولوية في نشاطه لأنه بدونها لن تكون هناك تنمية ممكنة". بمجرد قراءة هذه الجملة يقفز إلى ذهن القارئ أن الكاتب كتب "تحظى" عوض "يحظى"؛ لأن فاعل الفعل ضمير مستتر تقديره هو (=إصلاح)، وأنه صار بالتالي من الآن ملزما بأن يكتت "بدونه" وليس "بدونها".
فوق السطور التسعة التي تكتمل بها الصفحة (457)، انتصب عنوان ذو طبيعة بارابولية (رمزية): "عند الامتحان يعز المرء أو يهان". والداعي إلى اختيار هذا العنوان هو أنه في عهد حكومة اليوسفي (1998)، ظهرت قضايا فساد شاخصة؛ مثل قضية النقيب مصطفى أديب، وفضيحة النجاة، حيث اتُهم وزير الشغل عباس الفاسي بالنصب على آلاف المغاربة مقابل وعود بالتشغيل في شركة إماراتية.
كان الناس في البداية متفائلين بمصداقية ونزاهة اليوسفي، خاصة مع خطاباته التي دعت إلى لديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان.
رغم الخطابات، جاء "الامتحان" ليكشف سقوط الحكومة على عدة مستويات:
قبول اليوسفي بتزوير الانتخابات - التعايش مع الفساد والاستبداد - ضرب حقوق الإنسان.
كما ندت عن حكومة اليوسفي ممارسات قمع حرية التعبير. فعلى غرار عبد الله إبراهيم الذي قرر حل الحزب الشيوعي سنة 1959، قام اليوسفي بمنع ثلاث مجلات دفعة واحدة:
"لوجورنال" التي نشرت رسالة الفقيه البصري حول تورط الاتحاد الاشتراكي في انقلاب أوفقير، رغم نفي فتح الله ولعلو في مذكراته للحقيقة التاريخية لذلك التورط، "ودومان" لعلي المرابط الذي حُكم عليه بالسجن، و"الصحيفة". في هذا الإطار، يندرج طرد مراسل وكالة الأنباء الفرنسية، ورد وزير الاتصال محمد الأشعري بعنجهية على استفسار المرابط عن سبب التوقيف.
أما بخصوص ردود الفعل الدولية والمحلية، فقد عبرت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان عن قلقها من تشديد النظام لقبضته وقمعه للصحافة ومنعه للتظاهرات.
في فبراير 2000، قامت الحكومة بحجز خمس صحف نشرت مذكرة عبد السلام ياسين الموجهة إلى الملك محمد السادس. برر اليوسفي منع تلك الصحف بأنها تمس "بالمصالح العليا للبلد". فيما كشف فتح الله ولعلو أن السبب الحقيقي لمنع "لوجورنال" كان ملفًا اعتبره مسًا بشرف الجيش الملكي، وهو سبب لم يُعلن عنه رسميًا.
فرغم الخطابات الديمقراطية والوعود بحرية التعبير في عهد حكومة اليوسفي، شهدت تلك الفترة تراجعًا حادًا في حرية الصحافة وحقوق الإنسان، مع ممارسات قمعية واضحة، فضلاً عن استمرار الفساد والتزوير، مما أدى إلى خيبة أمل كبيرة لدى المواطنين الذين كانوا يتطلعون إلى التغيير الحقيقي.
يغطي عنوان "رسالة الفقيه محمد البصري" الحيز الأخير المشكل من ستة أسطر أسفل الصفحة (458) والصفحات الثلاثة كاملة. وعن وقائع نشر الرسالة، قال سي باحدو إن عبد الغني بوستة توصل برسالة من الفقيه البصري وسلم منها نسخة لكل من بوعبيد واليوسفي واحتفظ لنفسه بنسخة أخرى. بعد سنوات سلمتها أرملته حياة برادة إلى عمر السغروشني الذي نشرها في مجلة "لوجورنال".
وكشف مضمونها عن استعدادات لقلب النظام بالاتفاق مع الجنرال أوفقير وضباط الجو، وذكرها الدكتور عمر الخطابي أحد قادة الانقلاب. ويرى الكاتب أن جهات دفعت بنشرها لدق "جرس نهاية مرحلة اليوسفي" وإحراج الوزير الأول السابق الانقلابي.
كرد فعل منه، اعتبر اليوسفي النشر "محاولة لنسف الثقة مع المؤسسة الملكية" التي كان شديد الحرص عليها. طلب من محمد الفقيه البصري إنكار تسريبها، فأجابه قائلا: "أنا لن أتنكر للتاريخ".
عبد الله العروي رأى أن الهدف من نشر الرسالة كان "إحراج اليوسفي ونسف الثقة بينه وبين الملك الشاب"، وأنها بمثابة مناورة نجحت وأعادت الاتحاد الاشتراكي إلى "حظيرة المخزن". وأضاف: لو كانت ديمقراطية حقيقية لكان الرد قضائيا وسياسيا وأكاديميا.
ووجه المفارقة أن عمر السغروشني الذي نشر سر الانقلاب عُين لاحقاً على رأس اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية!
بعد نشر الرسالة "نزع المخزن ورقة التوت الديمقراطية" عن اليوسفي. فعلى سبيل التبرير، صرح لجريدة "الحياة" في غضون مارس 1999 قائلا: "الحكم صعب عندما تفتقر الدولة للوسائل".
في هذا السياق، أورد سي باحدو ما قاله نجيب أقصبي من أن الحكومة لم تتجنب "الأزمة القلبية"، وتركت المديونية تصل إلى 340 مليار سنتيم. لهذا، خلص أقصبي إلى أن اليوسفي "يفتقر إلى لقوة والجرأة" وليس محركاً.
كما أورد الكاتب ما قاله محمد جسوس حول تواجد 3 حكومات: حكومة اليوسفي + حكومة الأمن والجيش + حكومة "المافيوزيين"؛ تجار المخدرات والسوق السوداء. ووصف جسوس التناوب بـ"المعطوب"، مطالبا بالتقدم باعتذار للشعب وتنظيم انتخابات مبكرة نزيهة.
والغريب في الأمر، كما يلاحظ عبد الجليل باحدو، أن اليازغي والوزراء ما فتئوا يرددون أنهم يحتاجون إلى "دولة ترعى الديمقراطية"، وفي نفس الوقت يدافعون عن البصري بـاعتباره "عبدا مأمورا".
هذا، وقد بين الكاتب أن علاقة اليوسفي بالبصري انتقلت من الخصومة إلى التبعية. فهو يرى أن الصلة تعمقت في مفاوضات العفو عن المغتربين بفرنسا. وكان إدريس البصري هو من زور 14 مقعدا لصالح الاتحاد الاشتراكي في 1997. أصبح "وزير أول ثاني"، وبدا اليوسفي "جبانا أمام قراراته"، وعلى استعداد لتبريرها. البصري كان يعرف عن اليوسفي "كل شيء بما في ذلك نزواته".
يختم الكاتب بالحكم على مغامرات اليوسفي بالفشل. فقد لعب على كل الحبال: مع بوعبيد وأوفقير في 1972، ثم مع المشاركة في حكومة، ثم تنكر لخط "الاختيار الثوري". كان هدفه الأخير: "أن ينهي حياته السياسية وزيراً أولاً".
واعتبر سي باحدو أن حكومة التناوب لم تكن من أجل "الاختيار الديمقراطي" بل "لتأمين انتقال سلس للعرش من الحسن الثاني إلى محمد السادس بدون اضطرابات" كما قال محمد البصري.
اختار اليوسفي "مخزنة الحزب" واستبدال المناضلين بالانتهازيين. محمد الناجي وصف زيارة الحسن الثاني لليوسفي في ابن سينا بـ "لحظة تراجيدية شكسبيرية": الملك كان يعلم أن جسده السياسي حي لأجل الاستمرارية، بينما أمسى الحزب "جثة تنتظر الدفن". "المأساة أن اليوسفي "المناضل" لم يدرك هوية الميت: ظن أن الملكية تحتضر بينما كان الحزب هو المسجى".
بأقل عدد ممكن من الكلمات، كشفت الرسالة أن "التناوب" لم يكن لغاية تحقيق تحول ديمقراطي، بل كان صفقة انتقال الملك. اليوسفي ضحى بالذاكرة النضالية وبالحزب مقابل الكرسي، فانتهى به الأمر محاصراً بين "العبد المأمور" (البصري) وبين حقيقة أن حكومته مجرد واجهة. ومن بدأ بفضح الانقلاب انتهى يحمي أسرار المخزن.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *