جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

مرة أخرى سهام الثورة المضادة تستهدف الرمز اليساري التونسي : حمه الهمامي ...!عمران حاضري

 مرة أخرى سهام الثورة المضادة تستهدف الرمز اليساري التونسي : حمه الهمامي ...!عمران حاضري

ليست خطورة اللحظة في أن يُختلف مع مناضل، فالاختلاف هو أمر عادي في السياسة، وإنما في أن يتحول الاختلاف إلى دعوة للإلغاء، وأن تنقلب الكلمة من أداة للنقاش إلى أداة للتحريض، ومن وسيلة لبناء المجال العام إلى معول يهدم أسسه الاجتماعية و الأخلاقية...
حين يصبح السبّ بديلاً عن الحجة، والتشويه بديلاً عن النقد، والتهديد بالتصفية أو السجن أو الإعدام بديلاً عن التنافس الديمقراطي، فإن المستهدف الحقيقي لا يكون شخصًا بعينه، مهما كانت مكانته أو تاريخه، بل تصبح السياسة نفسها هي الضحية، ويصبح الحق في الاختلاف مهددًا، وتدخل الحياة العامة في مناخ يعيد إنتاج أكثر الصفحات قتامة في تاريخ الاستبداد.
لقد ارتبط اسم حمه الهمامي، سواء اتفق المرء معه أو اختلف، بتاريخ طويل من المعارضة السياسية. حيث عرف السجون والملاحقات والتضييق في مراحل مختلفة من تاريخ الدولة التونسية، من أواخر العهد البورقيبي مرورًا بفترة حكم زين العابدين بن علي، وظل حاضرًا في المشهد السياسي بعد الثورة المسروقة و غير المكتملة باعتباره أحد رموز اليسار التونسي... وهذا التاريخ ليس ملكًا لشخص، بل هو جزء من الذاكرة الوطنية التي ينبغي أن تُقرأ بعين النقد والإنصاف معًا، بعيدًا عن منطق التشويه أو التعظيم و التقديس...
ولعل ما يثير القلق اليوم ليس مجرد حملة تستهدف شخصية سياسية، وإنما عودة خطاب يعتبر الخصم عدوًا ينبغي التخلص منه، لا مواطنًا يختلف معنا في الرؤية والمشروع...! تلك هي اللغة التي سبقت، في أكثر من تجربة تاريخية، انكسار المجال السياسي وتحوله إلى فضاء للكراهية و العنف، بدل أن يكون فضاء للتنافس النزيه...!
إن اليسار التونسي، بما له وما عليه، يمثل أحد مكونات التاريخ السياسي والفكري للبلاد، وقد ساهم مناضلوه في معارك اجتماعية وحقوقية ونقابية و سياسية وفكرية و قدموا التضحيات الجسام و التي تركت أثرها في الحياة العامة... ويمكن نقد هذا التيار اليساري أو مراجعة خيارات بعض مكوناته أو معارضة برامجه حتى،،، لكن ذلك لا يبرر أبدًا التحريض على العنف ضد رموزه أو التشكيك في حقهم في الوجود السياسي...! فمشروعية الأفكار تُحسم بالحوار و النقد الموضوعي والنقاش العمومي بكل حرية و ديموقراطية، لا بمنطق الإقصاء أو تنامي ثقافة الشتيمة و التهديد...!
إن الثورة المضادة، في أحد تجلياتها الأكثر خطورة، لا تُقاس فقط بمن يمسك أدوات السلطة، بل أيضًا بثقافة ترى في التعددية خطرًا، وفي النقد خيانة، وفي المخالف خصمًا يجب إسكات صوته...! وحين تتسرب هذه الثقافة إلى الوعي الجمعي من فاقدي الوعي و السند المعرفي و الأخلاقي ، فإنها تنهك النخب الوطنية التقدمية الناهضة و تُضعف المجتمع بأسره،،، لأنها تستبدل منطق الدولة بمنطق الغلبة و العصابة ، ومنطق عدالة القانون بمنطق الانتقام و التشفي...!
إن الدفاع عن حق أي معارض وطني تحرري ناهض ، في الأمن والكرامة وحرية التعبير ليس دفاعًا عن شخصه بقدر ما هو دفاع عن القيمة الأخلاقية و الإنسانية، التي تجعل السياسة فعلا تعاقديا اجتماعيا ممكنا...!
فالديمقراطية لا تُقاس بطريقة تعاملها مع أنصار السلطة و زبانيتها، وإنما بطريقة تعاملها مع معارضيها الوطنيين، والحرية لا تكتمل إلا عندما تشمل من نختلف معهم أيضا في سياق نقاش عمومي مفتوح بما يتماهى مع المفهوم الغرامشي للهيمنة الثقافية...!
بالتالي، يبقى الإنسان المناضل الحر المقاوم و الشامخ، أكبر من حملات التشويه التي تطفو من حين إلى آخر خاصةً في وسائط التواصل الاجتماعية ، ويبقى التاريخ أعدل من ضجيج اللحظة...! أما الكلمات التي تُكتب و تقال تحت تأثير الحقد و التخلف و السادية الكلامية التي تصل حد الرعاعية و التهديد بالتصفية،،، فإنها قد تصنع ضجيجا عابرًا، لكنها لا تصنع ذاكرة محترمة...!
وحدها المواقف المؤسسة على العقل العلمي ، والوفاء للمبادئ الإنسانية القيمية المحمولة بقيم الحرية و العدالة و المساواة بوجه كافة أشكال الظلامية و التكلس و الاستبداد و الاستلاب ، والالتزام بالاخلاق السياسية ، هي التي تبقى شاهدة على أن السياسة يمكن أن تكون فعلًا إنسانياً نبيلًا، لا ساحة لمعارك لا مبدئية و لا وطنية و لا أخلاقية... !
وفي النهاية، فإن الدفاع عن حق المناضل حمه الهمامي في الاختلاف، وفي سلامته الجسدية، وفي حضوره داخل المجال السياسي، هو في جوهره دفاع عن حق كل يساري وطني مناضل، في أن يعيش وطنًا تُدار فيه الصراعات بالأفكار لا بالتهديد، وبالحجة لا بالإلغاء، وبعدالة القانون لا بالعنف و بالقضايا العادلة و المبادئ القيمية لا بالاءقصاء و شيطنة المعارضة الوطنية الناهضة...!
فالأوطان التي تحترم أبناءها لا تخشى تعدد الأصوات، بل تخشى الصوت الواحد حين يتحول إلى حقيقة مطلقة لا تسمح بوجود غيرها...!
عمران حاضري
15/7/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *