جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

حرب السودان والمصالح الخارجية *الحزب الشيوعي السوداني

 حرب السودان والمصالح الخارجية (1-2)

الميدان 4487،، الأحد 12 يوليو 2026م.
للعام الرابع على التوالي، تواصل الحرب حصد أرواح المدنيين، وتدمير المدن والبنى التحتية، وتبديد مقدرات البلاد، بينما تتوالى بيانات الإدانة الدولية ومبادرات الوساطة دون أن تنجح في وقف القتال أو معالجة أسبابه الحقيقية. ومع امتداد أمد الحرب، بات واضحًا أنها لم تعد مجرد صراع داخلي على السلطة، وإنما تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتُدار فيها حسابات النفوذ والثروة والجغرافيا السياسية على حساب سيادة السودان وحقوق شعبه.
لقد تعاقبت المبادرات منذ اندلاع الحرب، من منبر جدة إلى تحركات الأمم المتحدة، وجهود الاتحاد الأفريقي و"إيغاد"، ومؤتمر باريس الإنساني، واجتماعات جنيف، لكنها جميعًا أخفقت في وقف الحرب، لأن المشكلة لم تكن يومًا في غياب الوسطاء، وإنما في غياب إرادة سياسية دولية تُلزم أطراف الصراع وداعميهم الإقليميين بوقف القتال وتجفيف مصادر تمويله وتسليحه. فالمبادرات التي تجاهلت المصالح المتشابكة للقوى المتدخلة لم تكن قادرة على تجاوز حدود البيانات الدبلوماسية والنداءات الإنسانية.
وفي الوقت الذي كانت فيه تلك المنابر تدعو إلى وقف إطلاق النار، كانت التقارير الأممية والدولية توثق استمرار تدفق السلاح والذخائر إلى أطراف النزاع، واستمرار أشكال متعددة من الدعم الخارجي، شملت التمويل، والإسناد العسكري، والتسهيلات اللوجستية والاستخباراتية. كما تبادلت أطراف الحرب وعدد من الدول الاتهامات بشأن تقديم الدعم العسكري، في تعبير واضح عن حجم الاستقطاب الإقليمي والدولي الذي أصبح جزءًا أصيلًا من معادلة الحرب في السودان، وليس عاملًا خارجيًا عابرًا.
ولم يكن هذا التدخل محض صدفة، فالسودان يحتل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية عند ملتقى القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويمتلك ثروات ضخمة من الذهب والمعادن والأراضي الزراعية، فضلًا عن موقعه المؤثر في خطوط التجارة والطاقة. ولذلك تنظر إليه القوى المتنافسة بوصفه ساحة لتأمين الموانئ، والسيطرة على الموارد، وضمان مسارات النقل والإمداد، وتعزيز النفوذ الجيوسياسي، أكثر من كونه وطنًا لشعب يتطلع إلى السلام والديمقراطية والتنمية.
ومن هنا، فإن كل المنابر الخارجية التي رُوِّج لها باعتبارها مسارات للحل لم تستطع أن توقف إطلاق النار ليوم واحد، لأن القوى الإقليمية المنخرطة في الحرب لم تكن ترى في السلام مصلحة عاجلة. فالإمارات، ومصر، وتركيا، والسعودية، رغم اختلاف حساباتها وأدواتها، انخرطت بدرجات متفاوتة في إدارة الصراع بما يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، معتمدةً على وكلائها المحليين، الأمر الذي جعل استمرار الحرب أقل كلفةً بالنسبة إليها من الوصول إلى تسوية وطنية مستقلة تعيد القرار إلى الشعب السوداني.
إن جوهر الأزمة يكمن في أن الحرب لم تعد تُدار بإرادة أطرافها المحليين وحدهم، بل أصبحت رهينةً لتوازنات إقليمية ودولية ترى في استمرار حالة اللادولة وانهيار المؤسسات فرصةً لإعادة توزيع النفوذ والثروات. ولذلك فإن الدفاع عن السيادة الوطنية لا ينفصل عن مقاومة كل أشكال التدخل الخارجي، ورفض تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الصراعات الدولية أو سوق مفتوحة لنهب موارده واستغلال موقعه الاستراتيجي. فاستعادة السلام وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية لن تتحققا عبر صفقات تعقدها القوى الخارجية، وإنما عبر الإرادة الحرة للشعب السوداني ونضاله من أجل إنهاء الحرب واسترداد القرار الوطني المستقل.
ولا تنظر الولايات المتحدة إلى السودان باعتباره أولوية استراتيجية مستقلة بذاتها، وإنما كجزء من شبكة أوسع من المصالح المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي والشرق الأوسط. ففي المرحلة الراهنة تنشغل واشنطن بإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط، وتأمين طرق التجارة والطاقة، واحتواء منافسيها الدوليين، وحرمانهم من الوصول إلى الموارد والأسواق الاستراتيجية. ومن هذا المنظور، يصبح السودان ملفًا تابعًا لهذه الحسابات الكبرى، بحيث يتراجع حق شعبه في السلام والسيادة أمام أولويات الصراع العالمي على النفوذ، ما دام استمرار الحرب لا يهدد بصورة مباشرة المصالح الأمريكية الأساسية.
ويظل حضور روسيا في السودان محدودًا مقارنةً بالقوى الغربية، رغم سعيها إلى توسيع نفوذها في أفريقيا ضمن صراعها مع الإمبريالية الغربية. ويتجلى ذلك في تعاونها مع الإمارات في شرق ليبيا، وعلاقاتها العسكرية والأمنية مع أنظمة في أفريقيا الوسطى ومالي والنيجر، وتعاونها المحدود مع أوغندا وإثيوبيا. أما في السودان، فينحصر دورها في مصالحها المرتبطة بتجارة وتهريب الذهب، ورغبتها في إقامة قاعدة بحرية، إضافة إلى الانخراط في تجارة السلاح مع طرفي الحرب، مباشرةً أو عبر وسطاء، بما يجعل استمرار النزاع مواتيًا لمكاسبها المحدودة، دون أن يكون لها مشروع متكامل لحل الأزمة.
وتحرك الصين مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية المتنامية في أفريقيا، ساعيةً إلى تأمين استثماراتها ومواردها وأسواقها. وقد حافظت على تعاونها مع سلطتي الأمر الواقع، خصوصًا عبر إعادة جدولة الديون أو إعفاء بعضها مقابل مكاسب اقتصادية وتعزيز نفوذها في القطاعات الإنتاجية والاستخراجية. كما تواصل صناعاتها العسكرية الوصول إلى أطراف النزاع، بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، مقابل عائدات مالية. وتشير معطيات إلى أن جزءًا مقدرًا من الأسلحة النوعية التي تستخدمها مليشيا الدعم السريع صيني المنشأ، وقد مُوِّل الحصول عليها بأموال إماراتية. وهكذا تتقاطع المصالح الاقتصادية مع تجارة السلاح واستنزاف الموارد، بينما يتحمل الشعب السوداني وحده ثمن هذه الحرب.
نواصل

حرب السودان والمصالح الخارجية (2-2)
الميدان 4488،، الثلاثاء 14 يوليو 2026م.
إفتتحنا في الجزء الأول بتوضيح كيف تحولت الحرب في السودان إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، التي تتعامل مع بلادنا بمنطق النفوذ والموارد والمواقع الإستراتيجية، لا بمنطق حق الشعب السوداني في السلام والسيادة. غير أن إدراك أبعاد هذا التدخل لا يكتمل من دون الوقوف عند حدود تأثيره وعجزه عن حسم الحرب، ومساءلة أطراف الحرب ووكلائها الداخليين عن مسؤوليتهم الأولى فيها، والأهم من ذلك، تحديد المرتكزات الوطنية التي يمكن أن يقوم عليها مشروع حقيقي لإنهاء الحرب واستعادة القرار الوطني المستقل.
لم ينجح مجلس الأمن الدولي، حتى الآن، في اتخاذ إجراءات حاسمة توقف الحرب، كما ظلت العقوبات وبيانات الإدانة محدودة الأثر، ولم تُترجم إلى آليات ملزمة تمنع استمرار تدفق السلاح أو تفرض وقفًا دائمًا لإطلاق النار. وبدا المجتمع الدولي وكأنه يكتفي بإدارة الأزمة واحتواء تداعياتها، لا بمعالجة جذورها وإنهائها، فيما تتفاقم المأساة الإنسانية يومًا بعد يوم.
غير أن تحميل القوى الخارجية وحدها مسؤولية استمرار الحرب يختزل الأزمة ويغفل جوهرها. فالمسؤولية الأولى تقع على عاتق أطراف الحرب وحلفائها، الذين واصلوا تغليب مصالحهم السلطوية على مصالح الوطن، وارتهنوا، بدرجات متفاوتة، لأجندات قوى إقليمية ودولية وأجهزة استخبارات تسعى إلى توظيف السودان لخدمة مصالحها السياسية والإقتصادية والعسكرية.
ولذلك، فإن إنهاء الحرب لن يتحقق بالضغوط الخارجية وحدها، ولا بالمفاوضات التي تقتصر على أطراف الصراع المسلح، لأن هذه الأطراف هي جزء من الأزمة وليست صاحبة المصلحة في إنهائها. فالطريق إلى السلام المستدام يبدأ بإعادة بناء الحركة الجماهيرية واستنهاض الفعل السياسي المستقل، وتوحيد قوى الثورة حول برنامج وطني ديمقراطي يعبر عن مصالح الجماهير، لا عن توازنات السلاح أو صفقات المحاصصة.
إن المهمة المطروحة اليوم هي بناء أوسع جبهة جماهيرية قاعدية تضم جميع القوى المؤمنة بثورة ديسمبر 2018 المجيدة وأهدافها، وتستند إلى برنامج حد أدنى يقوم على إنهاء الحرب، واسترداد السيادة الوطنية، واستعادة مسار الثورة، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية. جبهة تُبنى من القاعدة إلى القمة عبر آليات ديمقراطية، وتستمد شرعيتها من الجماهير، وتحافظ على استقلال قرارها الوطني بعيدًا عن هيمنة القوى العسكرية أو التدخلات الخارجية.
إن مرتكزات الحل الوطني الديمقراطي لا يمكن أن تُصاغ في العواصم الأجنبية، ولا أن تُفرض عبر موائد التفاوض التي ترعاها القوى المتدخلة في شؤون السودان، بل يجب أن تنبع من الإرادة الحرة للشعب السوداني، ومن نضال طلائعه الثورية وقواه الحية. فالشعب وحده هو صاحب المصلحة في إنهاء الحرب، وهو وحده القادر على فرض السلام العادل، واستعادة الدولة، وإنجاز أهداف ثورة ديسمبر في الحرية والسلام والعدالة، وإقامة سلطة مدنية ديمقراطية كاملة السيادة، تعبر عن مصالح الأغلبية، وتصون استقلال الوطن ووحدته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *