خريف الغضب المرتقب… هل يستعيد الشارع التونسي سؤاله التاريخي...!؟عمران حاضري
خريف الغضب المرتقب… هل يستعيد الشارع التونسي سؤاله التاريخي...!؟
ليس انقطاع الماء والكهرباء سوى العلامة الأكثر وضوحاً على انقطاعٍ أعمق:، انقطاع الدولة عن وظيفتها الاجتماعية، وانكشاف هشاشة نموذج اقتصادي لم يتحرر منذ عقود من إرث التبعية والريع و املاءات صندوق النقد الدولي مقاتل اقتصادي...
حين تنطفئ الأنوار في البيوت والمصانع والمستشفيات، وحين تجف الموارد و الشبكات ، لا تكون الأزمة في الشبكة وحدها؛ إنها في شبكة كاملة من الخيارات الاقتصادية والسياسية التبعية ، التي جعلت المواطن البسيط يدفع دائماً ثمن الأزمة، بينما تتغير الحكومات ولا يتغير جوهر المعادلة...!
لقد دخلت تونس، منذ الثورة غير المكتملة والمغدورة ، التي لم يجن منها عموم الشعب الكادح غير خيبة الأمل لأسباب ذاتية و موضوعية معروفة ، مرحلة صراع لم يُحسم...!
ليست المسألة صراعاً بين أشخاص، ولا مجرد تناوب بين حكومات...
إنها، في جوهرها، صراع بين إمكان تقدم الثورة واستمرار البنية التي صنعت الثورة المضادة...
والثورة المضادة ليست وجهاً واحداً...!
هناك بقايا النظام القديم وشبكات الريع والمصالح...
وهناك الإسلام السياسي الذي تمكن من الوصول إلى السلطة بدعم معنوي لوجستي غربي اطلسي امريكي اساسا مع الإبقاء على نفس الخيارات التبعية و "حسن العلاقة" مع الك-يان الفاشستي المجرم...
وهناك الشعبوية المحافظة التي ترفع شعارات 'السيادة " خطابيا ، لكنها لم تتخلى عن نفس الخيارات التبعية و لم تبلور بعد سوى مشروعها الخاص في "مجالس الأقاليم" و "الشركات الأهلية" و تهميش دور الأجسام الوسيطة...
بالتالي، تختلف الشعارات، وتتبدل المواقع، لكن الطبقات الشعبية تظل في الموقع نفسه حيث تدفع الكلفة باهضة :
كلفة التضخم....
كلفة البطالة...
كلفة التهميش...
كلفة انهيار الخدمات...
كلفة المديونية الخارجية...
كلفة عدم حماية الدينار...
كلفة التبعية و السياسات التقشفية...
وكلفة بعض الإجراءات التي تُقدَّم غالباً باعتبارها «ضرورات وطنية»، بينما يتحمل أعباءها المدمرة من لا يملك سوى أجره و قوة عمله...
لهذا فإن السؤال لم يعد: من يحكم؟
بل:
أي دولة نريد؟ ولمن تكون الدولة؟ ومن يملك الثروة والقرار؟
لا معنى للسيادة إذا كانت البلاد عاجزة عن تأمين طاقتها ومائها وغذائها ودوائها...
ولا معنى للديمقراطية إذا اختزلت في العملية الانتخابوية منزوعة من عمقها الطبقي الشعبي و بقي المواطن يتوفر على هامش نسبي محدود في اختيار من يحكمه، وعاجزاً عن اختيار شروط حياته...
ولا معنى للعدالة الاجتماعية إذا تحولت المؤسسات العمومية إلى مؤسسات منهكة في الصحة و التعليم العمومي و الرعاية، ثم استُعمل إنهاكها ذريعةً لفتح أبواب التفويت والخصخصة...
فالسيادة ليست خطاباً...
السيادة قدرة،
قدرة على التعليم و المعرفة و البحث العلمي ، قدرة الإنتاج و فك الارتباط ولو تدريجياً مع التبعية ، و القدرة على الاستثمار، العمومي وعلى حماية الثروة الوطنية، وعلى امتلاك القرار الاقتصادي ، وعلى قول «لا» حين تكون «نعم» إفقاراً للبلاد و نهبا مهيكلا لثرواتها...!
* وهنا تقع مسؤولية اليسار الحداثي الحقيقي والديمقراطي الشعبي و الوطني التقدمي الناهض ....
ليس المطلوب أن ينتظر الشارع كي يلتحق به.
ولا أن يكتفي بتفسير غضبه بعد انفجاره...!
المطلوب أن يستعد قبل الانفجار...
أن يعيد بناء نفسه فكرياً وسياسياً وتنظيمياً...
أن يتجاوز انقسامات الماضي الثانوية غير المبررة منطقيا و تحرريا بالنقاش النزيه الموضوعي و البناء ...
أن يخرج من أسر اللغة النخبوية و الخواء الإستراتيجي...
ان لا يختزل نفسه في المعجم الحقوقي على أهميته و يهمل الجانب الاقتصادي والاجتماعي المدخل الأساس للفئات الشعبية الضعيفة... و بالتالي يهمل دوره كقاطرة للتغيير الاجتماعي...
المطلوب أيضا، أن يصغي إلى العامل والعاطل والمهمش والفلاح والموظف و المثقف التقدمي وصغار التجار والشباب والنساء والجهات المهمشة...
وأن يبني، لا جبهة انتخابية عابرة أساسها المحاصصة لا النضالية و الانتصار للشعب و انتظاراته و للوطن و سيادته ، بل قطباً ديمقراطياً شعبياً تحررياً، مستقلاً عن الأقطاب الثلاثة، قادراً على تحويل المطالب اليومية و شعار شغل/ حرية/ كرامة وطنية إلى مشروع وطني شامل ، نضالي تحرري في سياق استراتيجية واضحة المعالم نقطع مع الخيارات التبعية و مع كافة أقطاب الثورة المضادة...!
فإذا كان هذا الخريف خريف غضب مرتقب ، فإن الخطر ليس في الغضب...
الخطر أن يبقى الغضب بلا بوصلة اجتماعية تحررية تاريخية و
أن يُختطف من جديد من غلاة الثورة المضادة...!
و أن تتحول طاقة الشارع إلى وقود لصراع الأجنحة داخل المنظومة التبعية الريعية نفسها...
وأن يتغير ربما الحاكم بينما تبقى القاعدة الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج الأزمة على حالها...
لذلك فإن المعركة المقبلة ليست فقط معركة ضد الانقطاع...
إنها معركة ضد منطق الانقطاع نفسه حيث،
انقطاع الدولة عن الفقراء و المهمشين...
انقطاع السياسة عن النخب السياسية و الثقافية التقدمية و عن المجتمع الذي يرنو له عموم الشعب الكادح...
انقطاع الاقتصاد عن إنتاج الثورة و القيمة المضافة...
انقطاع السيادة عن القرار...
وانقطاع الديمقراطية عن العدالة الاجتماعية...
قد يشتعل الشارع هذا الخريف...
وقد لا يشتعل بالطريقة التي يتوقعها أحد...!
لكن المؤكد أن شيئاً ما يتراكم تحت السطح...
غضبٌ اجتماعي...
و بوادر وعيٌ بدأت في التبلور لدى بعض النخب صوب الإسهام في إنعاش البديل الديموقراطي و النهوض بالفعل اليساري التحرري خارج إطار الاءلحاق بمشاريع صراع أجنحة المنظومة التبعية...
وإحساسٌ متزايد بأن تغيير الوجوه وحده لا يكفي بدل تغيير المنظومة ...!
وهنا يبدأ الامتحان التاريخي...
إما أن يبقى الغضب موجةً عابرة،
وإما أن يجد من يحوله تدريجياً إلى قوة تاريخية منظمة تقوده في معركة طويلة حتى إدراك التغيير المنشود شعبيا و الذي يطال علاقات الإنتاج...
إما أن تعيد الثورة المضادة إنتاج نفسها في ثوب جديد،
وإما أن تولد من رحم المجتمع قوة ديمقراطية شعبية تستعيد للثورة معناها الاجتماعي والوطني ، المهدور...
فالمطلوب ليس :
انقلاباً على قطب لصالح قطب متربص .
بل المطلوب كسر الحلقة كلها...
حلقة الريع والتبعية والاستغلال والتهميش و هيمنة النمط الكمبرادوري على المجتمع... في سياق مسار ثوري منظم ،
إلى حين بناء دولة يكون فيها الاقتصاد في خدمة الإنسان، والثروة في خدمة المجتمع، والسيادة ممارسةً يومية لا شعاراً موسمياً أو خطابيا...
ذلك هو معنى التحرر الوطني في القرن الحادي والعشرين،
وذلك هو معنى الانعتاق الاجتماعي...
وربما كان السؤال الذي سيطرحه التاريخ على تونس التي ترنو لها الأطياف التقدمية التحررية مرة أخرى بسيطاً وقاسياً :
حين يغضب الشعب… هل يجد من يساعده على تغيير التاريخ، أم يجد من ينتظر فقط ليرث غضبه؟
عمران حاضري
30/8/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق