جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

من كوكي إلى عرشان.. عن حيوانية الإنسان ولطف القردة*عبد الرحيم التوراني

 من كوكي إلى عرشان.. عن حيوانية الإنسان ولطف القردة*عبد الرحيم التوراني

لم يخطر ببالي يوما أن أجدني غارقا في سؤال يبدو للوهلة الأولى مفرطا في العبثية، لولا تلك اللحظة الاستثنائية اليوم في السوبرماركت.
بينما كنت أتجول بين الرفوف، لمحت سيدة تحتضن بين ذراعيها مخلوقا صغيرا ألبسته ثياب أطفال بعناية فائقة، لم يكن سوى قرد صغير يتأمل المكان بفضول شقي...
ورغم أن اللوحات الإرشادية على الأبواب تعلن بصراحة منع دخول الحيوانات، والمقصود بها الكلاب بالأساس ، إلا أن صاحبنا كسر القواعد وحدود المنطق ، وكأنه يقول للجميع: ديروا لي بلاصة...
غلبني الفضول فتقدمت بخطوات مترددة واستأذنت صاحبته في التقاط صورة.. لم تمانع السيدة، لكن سليل الشامبانزي كان له رأي آخر.. بدأ يصيح ويلوح بيديه الصغيرتين رافضا عدسة الهاتف...
سألتها بابتسامة:
- ما اسمه؟...
أجابت:
- كوفي.
قلت مازحا وأنا ألتفت إليه:
- أهلا كوفي... كوفي عنان..
فنبهتني بجدية أليفة:
- بل كوكي... ليس كوفي...
عند صندوق الدفع سألت الموظفة باستغراب:
- هل بات مسموحا بصحبة الحيوانات هنا؟
رفعت حاجبيها بنظرة حائرة، فلما أخبرتها عن كوكي، ابتسمت وقالت بتهكم طريف:
- راه كبر معانا هنا، ولَّى واحد منا وفينا...
اتضح أن السي كوكي أصبح زبونا دافئا واعتاد الجميع على زياراته وهو يتجول ببدلته بين الرفوف.
عدت إلى البيت وجلست أتأمل الصورة التي التقطتها لهذا المخلوق الصغير وهو برداء طفل...
وبدأت الأفكار تتداعى في رأسي حول عالم التاريخ الطبيعي والإحيائي والجيولوجي البريطاني شارل داروين.. ونظريته في أصل الأنواع.. هل كان كوكي يحاول إخبارنا بشيء ما عن رحلتنا الممتدة؟
تأملت حركاته وصياحه واحتلاله للمشهد بتلك البدلة الأنيقة، فلم أستطع منع نفسي من التفكير في بعض قردة السياسة الذين نراهم كل يوم على الشاشات والمنابر... يرتدون أفخر البدلات، ويصرخون ويلوحون بالأيدي دون معنى، بينما يكتفي الجميع بالابتسام لهم وتسهيل مرورهم، تماما كما نفعل مع كوكي...
ونسيت للحظات انشغالي بأخبار الانتخابات الأخيرة ومشاورات تشكيل الحكومة، ليقفز إلى ذهني فجأة كيف حضر حيوان شرس في قلب هذه المشاورات السياسية... حيوان مفترس قادم من أدغال وعتمة زنازين درب مولاي الشريف ودار المقري، وباقي مراكز التعذيب الوحشي، حيث نهشت هناك أجساد وأرواح المئات من معتقلي اليسار إبان سنوات الرصاص...
عدت إلى وعيي ووجدتني أتعاطف عميقا مع كوكي...
يا لطف هذا الكائن.. يتأمل معروضات السوبرماركت بشغف ظاهر دون أن يمسها أو يؤذي أحدا، وما صياحه وهياجه سوى تعبير عن خوف فطري من التواجد في مكان مكتظ ببني البشر...
تأملت صورة كوكي مجددا وقلت في نفسي: لو كان هذا القرد الصغير بشرا، وكان معارضا ويساريا، وساقه حظه العاثر ليقع بين يدي الجلاد عرشان... لكانت أساليب هذا الأخير في انتزاع الاعترافات وإهانة الكرامة الإنسانية كفيلة بأن تجعله يتمنى لو أنه ظل مجرد حيوان أليف في الغابة، بعيدا عن توحش بني آدام.. بني الإنسان يا بني الإنسان...
عبد الرحيم التوراني



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *