جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

في أفق تحديد أدق للتشكيلة الاجتماعية عامل التوصيل: "بروليتاري" بلا مصنع.. وبأي وعي سياسي؟الرفيق السفريوي محمد

 في أفق تحديد أدق للتشكيلة الاجتماعية

عامل التوصيل: "بروليتاري" بلا مصنع.. وبأي وعي سياسي؟الرفيق السفريوي محمد
يستحيل إدراج عمال التوصيل داخل الصورة الكلاسيكية للعامل كما تشكلت في المصنع و كما حددها ماركس. فهم لا يواجهون آلة يملكها الرأسمالي، ولا يتواجدون داخل مصنع، بل ينزلون إلى الشارع بدراجاتهم وهواتفهم، كأنهم يمتلكون وسائل عملهم ويعملون لحساب أنفسهم. لكن السؤال الماركسي الحقيقي هو: من يملك وسائل الإنتاج التي تتحكم فعليا في عملية الإنتاج؟
يقول ماركس في كتابه رأس المال إن الرأسمالية تقوم على الفصل الجذري بين المنتج- بكسر التاء- ووسائل الإنتاج، و يضيف مدققا إن نزع ملكية المنتج الزراعي كان أساسا لتطورها التاريخي. والمقصود ليس مجرد انتزاع أداة مادية من العامل، وإنما تغيير علاقته بشروط إنتاجه، بحيث يصبح مجبرا إلى بيع الشيء الوحيد المتبقي له و هو قوة عمله .
بينما حالة عامل التوصيل، تكشف عن شكل جديد لهذا الفصل. فهو قد يملك الدراجة والهاتف، لكنه لا يملك المنصة التي توصله بالسوق، ولا الخوارزمية التي تنظم عمله، ولا قاعدة البيانات، هذه هي وسائل الإنتاج الاستراتيجية في هذه المرحلة من الرأسمالية.
هنا المفارقة: العامل يملك الدراجة او السيارة و الهاتف و الكمبيوتر، لكنه لا يملك شروط استخدامهم لذلك فإن وصفه بالمقاول الذاتي أو الشريك المستقل أو العامل لا يحدد موقعه الاجتماعي. فالمنصة تحدد وتراقب وتتحكم و تفرض علاقات اجتماعية جديدة .
لدا يصبح السؤال الأكثر أهمية من مجرد تحديد موقع هذه الشريحة داخل علاقات الإنتاج ،أي وعي سياسي يمكن أن يتشكل لدى عمال التوصيل؟ وما القابلية والاستعداد والإمكانية الموضوعية لانتقالهم من وضعية اجتماعية تتسم بالتبعية والاستغلال إلى موقع الفاعل السياسي ذي الوعي والمشروع الطبقيين؟ و طبعا اي بنية تنظيمية أو أداة سياسية قادرة على استيعاب هذا الوضع الجديد؟
هنا ينبغي الحذر من استنتاج يبدو ماركسيا، لكنه قد يكون مثاليا وإسقاطيا في حقيقته. فإذا سلمنا، بخفة نظرية، على أنهم جزءا من الطبقة العاملة، ثم افترضنا أن شروط عملهم ستقود بالضرورة إلى بلترتهم واكتسابهم الوعي الطبقي والاستعداد للنضال، نكون قد خلطنا بين الموقع الاقتصادي والوعي السياسي، وبين شروط الاستغلال وإمكانيات التحرر منه.
وهنا علينا أن نستدعي الصرامة المنهجية التي علمنا إياها لينين: لا يكفي أن نحدد الموقع الاقتصادي لشريحة اجتماعية لكي نستنتج موقفها السياسي أو نقرر مسبقا استعدادها التنظيمي. فالوعي السياسي ليس انعكاسا أوتوماتيكيا للموقع في عملية الإنتاج، والتنظيم ليس مجرد ترجمة تلقائية للتناقضات الاقتصادية.
فقبل افتراض أن عمال التوصيل يمثلون امتدادا أصيلا للطبقة العاملة، يجب دراسة تركيبهم الاجتماعي، مساراتهم المهنية، علاقتهم بسوق العمل، تطلعاتهم، تمثلاتهم للاستقلال والملكية، أشكال تضامنهم واحتجاجهم، وإمكانيات انتقال مطالبهم الفئوية إلى مطالب اجتماعية وسياسية أوسع.
إن التحدي النظري والسياسي هو ألا نكتفي باكتشاف الاستغلال الرأسمالي حيثما ظهر، بل أن نفهم أيضا لماذا لا ينتج هذا الاستغلال بالضرورة وعيا إشتركيا مناهضا للاستغلال.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *