معاناة النساء في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد/حـياة بـعـنـو - مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أحدث المشاركات

الخميس، 21 مايو 2020

معاناة النساء في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد/حـياة بـعـنـو

معاناة النساء في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد

حـياة بـعـنـو

إذا كانت النساء العاملات والعاطلات عن العمل والكادحات الفقيرات تواجهن أسوأ الأوضاع المعيشية والبؤس الاقتصادي والقهر المضاعف في ظل الأنظمة الرأسمالية وسياساتها النيو ليبرالية بشكل عام، وتعانين في ظل الدول التابعة إضافة إلى ذلك من غياب أو تدني الحماية الاجتماعية والنقص على مستوى التمتع بالحقوق الأساسية في العمل ومن القيود التقليدية الاجتماعية المختلفة، فكيف هي أوضاعهن اليوم في بلادنا في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد؟ وكيف يتكيفن مع الأوضاع الصعبة المستجدة؟ وما التغييرات التي أتت بها الجائحة على حياتهن؟ وما سبل مواجهة الأوضاع الجديدة؟

الجائحة وخطورتها على البشرية:

حلت الجائحة في أغلب بقاع العالم، ففضحت الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية وكشفت عن وجهها البشع وأنانيتها التي بلغت بها حد تفضيل الاستزادة في الأرباح على حساب الأرواح. فلا قيمة للإنسان عندها، ولا أهمية له في حد ذاته، بل يجب أن يكون وقودًا ووسيلة وأداة لخدمة مصالحها ولو على حساب حياته، وإذا ما عجز عن القيام بوظيفته ومواصلة دوره معها تضحي به. كما فضحت الجائحة أيضا قبح هذا النظام المتوحش ونسفت العديد من المسلَّمات، وقوّضت العديد من الأفكار والمفاهيم حول قيمه ومبادئه التي تقوم على ترسيخ منظومة ربحية تخدم مصالح قلة من الأثرياء على حساب قوة عمل مليارات الفقراء في العالم.

وفي بلادنا سرعت الجائحة بالوعي بخطر الرأسمالية وأدت إلى تعميق الصراع الطبقي حيث بينت فشل توجه الدولة نحو الخوصصة وضرب مختلف الخدمات من صحة وتعليم وسكن منذ انتهاجها لسياسة التقويم الهيكلي في الثمانينيات من القرن الماضي.

وضعية النساء في زمن الجائحة:

تتحمل النساء مسؤولية 75 في المئة من العمل المنزلي وأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر حول العالم، وذلك وفقًا لبيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN WOMEN). لذا تحتاج قدرتهن على التكيف مع الأوضاع الصعبة المستجدة في زمن الكوارث والأزمات المجتمعية إلى الكثير من القوة، خصوصا وقد وجدن أنفسهن فجأة أمام مزيد من الأعباء الإضافية في ضوء الإجراءات الاحترازية والوقائية لمواجهة الوباء التي اتخذتها الحكومات.

وفي بلادنا ومن ضمن الإجراءات التي انتهجتها الدولة للتقليل من حدة انتشار الوباء حالة الطوارئ الصحية والحجر الصحي أي التقليل من الحركة في الشوارع وأماكن العمل، وهو حظر جزئي للتجول. إن العزل المنزلي وباقي تدابير التباعد الاجتماعي تهدف إلى الحد من انتشار الفيروس في ظل غياب لقاح للوقاية منه.
إن النساء ملزمات بتطبيق الحجر قسرا بسبب توقف العمل أو لحماية أنفسهن، ولارتباط هذا الأخير بإغلاق الحضانات ومؤسسات التعليم الأولي والمدارس بشكل عام؛ حيث أجبرن على البقاء في البيت للعناية بالأسرة، وبالمسنين والقيام بالعمل غير المدفوع الأجر فوجدن أنفسهن في مواجهة معاناة متعددة الأوجه:

• فمنهن من توجب عليها التضحية بعملها بعد إغلاق رياض الأطفال والمدارس لتجنيبهم البقاء بدون حراسة وحماية في المنازل بعد الحجر؛

• من يعملن عن بعد من داخل الحجر الصحي في شروط غير مناسبة مع الحرص على متابعة الدراسة مع أبنائها في ظل ما سمي بالتعليم عن بعد وإثقال كاهل الأسر بمتطلبات إنجاحه؛

• ومنهن من فقدت مورد رزقها نهائيا وبالتالي أصبحت عاجزة عن تغطية نفقات أسرتها وتوفير الضروريات لها خصوصا بالنسبة للأسر التي تعيلها نساء، كالبائعات المتجولات والفراشات والمياومات المسحوقات، وعاملات المقاهي والحمامات العمومية؛

• ومع كثرة الإصابات وإعطاء الأولوية للمصابين بالوباء قلت الخدمات الموجهة للمرضى العاديين المصابين بالأمراض المزمنة والحوامل؛

• ارتفاع معدلات العنف الأسري في غياب طرق الحماية منه. بسبب زيادة حدة التوترات داخل الأسرة مما يزيد من مخاطر سوء المعاملة. بحيث يصبح المنزل مكانا غير آمن لبعض النساء والأمر الذي يقتضي تفعيل أكبر للأطر القانونية المعنية بحماية النساء من العنف؛

• تهديد صحة السجناء بشكل عام والنساء منهن بشكل خاص على إثر تفشي الوباء وتحول بعض السجون إلى بؤر للمرض. وتحولت من مكان للتأهيل والإصلاح إلى مقار للإصابة الجماعية. خصوصا إذا علمنا أن السجن يحتوي على نساء مسنات وأخرى حاضنات لأطفالهن (دون سنتين).

لكن إجراء الحجري المنزلي لم يكن عاما لأنه يستثني العديد من النساء العاملات في مختلف المهن الحيوية والضرورية لمواجهة الفيروس والعاملات في وحدات إنتاجية أو خدماتية استمرت في العمل فقط استجابة لجشع الرأسماليين وهوسهم بالأرباح؛ لقد وجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع الوباء ومع فظاعة الاستغلال الرأسمالي؛ ونذكر منهن على سبيل المثال لا الحصر:

• العاملات في القطاع الصحي من طبيبات وممرضات وعاملات النظافة، واجهن الموت في غياب شروط الحماية والوقاية خصوصا في بداية الإعلان عن حالات الإصابة الأولى وقلة التجهيزات وغياب التجربة في التعامل مع هكذا وباء؛

• العاملات في الخدمات العمومية أو القطاعات الضرورية في المعركة ضد الفيروس؛

• العاملات في المعامل اللواتي يمثلن حطب الرأسمالية الذي يضمن استمرار الإنتاج، رغم عدم ضرورته في بعض الحالات، ليحافظ على مصالحها؛ وهو الأمر الذي كان من نتائجه أن أصبحت بعض المعامل بؤرا لنشر الوباء بسبب: انعدام التدابير الوقائية داخل المعامل (الخياطة مثلا)، عدم احترام التدابير والاجراءات الاحترازية وشروط الصحة والسلامة المهنية في ظل الوباء بالنسبة للمعامل الضرورية في معركة مواجهة الوباء (وضع القفازات، ارتداء الكمامات التباعد بين العاملات، تقليص ساعات العمل، العمل بالأفواج، مراعاة السلامة الصحية في وسائل النقل…)؛ فهؤلاء العاملات واجهن الوباء في شروط مجحفة طالما حذرن من قساوتها قبل ظهور الوباء، فما بالك اليوم وهن واقعات تحت أنياب الفقر وكورونا وجشع الرأسمالية المميت؛

• العاملات الزراعيات في وحدات الإنتاج الفلاحية والمنحدرات غالبا من البوادي أو من مدن غير المدن التي يعملن بها ويواجهن اسوأ الاوضاع المعيشية والبؤس الاقتصادي والظلم المضاعف والاستغلال وعدم المساواة في الأجور وغياب شروط الصحة والسلامة، إضافة إلى محنة التنقل من وإلى أمكنة العمل والتي تعتبر من بين أكثر المشاكل التي تعاني منها هؤلاء العاملات قبل ظهور الوباء وتعمقت مع الحجر الصحي وقلة وسائل النقل وضرورة الالتزام بتدابير السلامة.

سبل المواجهة:

هذه بعض الملامح عن أوضاع النساء في زمن الوباء، لنقول بصوت عال أن قضية النساء ليست مفصولة عن الطبقات المقهورة من عمال وفلاحين وفقراء وكادحين، كما لا فصل للطبقي عن السياسي والاجتماعي عند تناول هذا الموضوع.

إن التصدي لهذه الأوضاع اليوم يتطلب من النساء الارتقاء بمقاومتهن في مؤسسات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وتقويض الهيكل الذي يقف عليه الظلم المستهدف لكافة الطبقات الكادحة والمقهورة، ظلم النظام الطبقي. وهذا لن يحدث سوى بالنضال من أجل إيجاد نظام يهدف إلى الإشباع لا الربح، من أجل القضاء على فائض القيمة والاستغلال وتحرير الانسان بشكل عام، أي من أجل الاشتراكية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق